الزيارة الأخيرة إلى بيت الجد.. لانا وبانا تخرجان من البيت أشلاءً ولا ينجو أحد

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تكن عائلة مؤمن أحمد تعرف أن الساعات التي قررت فيها العودة مؤقتًا إلى بيت العائلة القديم في مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة، ستكون آخر زيارة لهم إلى المكان الذي حمل ذكرياتهم، وأن الهدوء النسبي الذي شجعهم على قضاء ليلة تحت سقف الجد سيتحول إلى مأساة تمحو الأسرة بأكملها من السجل المدني.

في السابعة مساءً، توجه مؤمن أحمد برفقة زوجته وطفلتيه لانا، البالغة من العمر 12 عامًا، وبانا، ذات الأعوام الثمانية، إلى منزل العائلة القديم، بعد أن غادروه لفترات طويلة بسبب القصف الإسرائيلي وانتشار الآليات العسكرية وإطلاق النار في محيطه.

كانت الزيارة، وفق رواية عم الطفلتين ميسرة أحمد، عابرة في ظاهرها؛ فالأسرة لم تكن تقيم في المنزل بصورة منتظمة، لكن مؤمن كان يتردد إليه بين الحين والآخر للاطمئنان على البيت والأثاث. وفي ذلك المساء، وبعد هدوء نسبي في المنطقة، قرر أن يأخذ زوجته وابنتيه لقضاء ليلة هناك، بعيدًا عن قسوة النزوح.

ليلة بدأت بالهدوء وانتهت بالمجزرة

يروي ميسرة أحمد أن شقيقه كان يتردد على المنزل للاطمئنان عليه، لكنه لم يكن يبيت فيه بسبب خطورة المنطقة والتحركات العسكرية وإطلاق النار الكثيف.

ويقول إن العائلة كانت تتواصل معهم، وكان الاعتقاد أن الزيارة لن تتجاوز ليلة هادئة، لكن ذلك الهدوء لم يستمر طويلًا.

بعد منتصف الليل، بدأت الأنباء تتحدث عن غارات جوية على منازل في المنطقة. لم يخطر ببال الأسرة أن منزل العائلة نفسه سيكون الهدف.

يحاول ميسرة استعادة تلك اللحظات قائلاً إنهم سمعوا عن القصف في بيت لاهيا، لكنهم لم يتوقعوا أن تكون الضربة قد أصابت منزل شقيقه.

حاول الاتصال بمؤمن، إلا أن هاتفه كان مغلقًا، قبل أن تبدأ الاتصالات بين الأقارب والجيران، لتصل إليهم الحقيقة القاسية: الصواريخ أصابت المنزل مباشرة.

ومع بزوغ فجر الخميس، وصلت طواقم الإنقاذ إلى المكان، لكن المنزل لم يعد منزلًا، بل تحول إلى ركام فوق رؤوس أفراد الأسرة الأربعة.

استشهد مؤمن أحمد وزوجته حنين موسى صالح، وابنتاهما لانا وبانا، في القصف الذي استهدف منزل العائلة في مشروع بيت لاهيا، لتصبح الأسرة بأكملها ضحية للغارة.

“لم يخرجوا كما دخلوا”

كانت أكثر اللحظات قسوة بالنسبة للعائلة حين بدأت طواقم الإنقاذ بانتشال الضحايا من تحت الأنقاض.

يقول ميسرة إنهم أُبلغوا فجرًا بأن شقيقه وزوجته والطفلتين أُخرجوا من تحت الركام، لكنهم لم يخرجوا كما دخلوا إلى المنزل، إذ انتُشلت أجسادهم أشلاءً.

وبذلك انتهت حياة عائلة كاملة في لحظة واحدة؛ أب وأم وطفلتان لم يكن ذنبهم سوى أنهم حاولوا قضاء ليلة في منزلهم القديم، بعدما أنهكهم النزوح والحرب.

لانا.. طفلة تتمسك بالتعليم وسط الحرب

لم تكن لانا مجرد رقم في حصيلة الضحايا. كانت طفلة في الثانية عشرة من عمرها تحاول، رغم ظروف الحرب والنزوح، أن تتمسك بتعليمها.

يصفها عمها بأنها كانت من أفضل البنات أخلاقًا وتفوقًا، وكانت تحرص على مواصلة تعليمها عبر المنصات الإلكترونية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، رغم الظروف القاسية التي فرضتها الحرب على أطفال غزة.

أما شقيقتها بانا، ذات الأعوام الثمانية، فيصفها العم بأنها كانت طفلة محبة ومصدرًا للفرح داخل العائلة.

يقول ميسرة، باكيًا، إن الطفلتين كانتا من أغلى الأطفال على قلبه، وكانتا شديدتي التعلق به وبأطفاله، قبل أن تتحول ساعات قليلة في منزل العائلة إلى نهاية مأساوية لأسرة بأكملها.

منزل الجد.. المكان الذي لم يمنحهم الأمان

المفارقة الأكثر إيلامًا في قصة لانا وبانا أن المنزل الذي عادت إليه الأسرة لم يكن مكانًا مجهولًا أو موقعًا اختارته صدفة، بل كان بيت العائلة الذي يحمل ذكرياتهم، والذي لجأوا إليه بحثًا عن ليلة واحدة بعيدًا عن قسوة النزوح.

لكن الحرب جعلت حتى المنازل المألوفة أماكن شديدة الخطورة.

قصة العائلة تأتي في سياق استهداف متكرر للأطفال في قطاع غزة، حتى خلال الفترات التي يوصف فيها الوضع الميداني بأنه يشهد هدوءًا نسبيًا في ظل وقف إطلاق النار.

أربعة أسماء في سجل الموت

مؤمن أحمد، حنين موسى صالح، لانا مؤمن أحمد، 12 عامًا، وبانا مؤمن أحمد، 8 أعوام.

أربعة أسماء كانت تشكل عائلة واحدة، قبل أن يحول القصف الإسرائيلي منزلها إلى ركام، ويترك أقاربها أمام مهمة البحث عن الذكريات بين الأنقاض.

قصة لانا وبانا لا تختصر فقط مأساة طفلتين فقدتا حياتهما، بل تكشف الوجه الأكثر قسوة للحرب على غزة؛ أطفال يحاولون مواصلة التعليم، أسر تبحث عن ليلة هادئة، ومنازل تعود إليها العائلات بحثًا عن شيء من الأمان، قبل أن يتحول ذلك الأمان إلى مأساة جديدة.

وفي صور الطفلتين التي تداولها ناشطون وصحفيون عقب المجزرة، بقيت ملامحهما شاهدة على حياة كان يمكن أن تمتد طويلًا، لكن القصف قطعها دفعة واحدة، لم تنجُ لانا، ولم تنجُ بانا، ولم ينجُ والدهما أو والدتهما.

في تلك الليلة، لم يفقد منزل العائلة أربعة من أفراده فحسب، بل فقدت أسرة كاملة مكانها في الحياة، وبقي بيت الجد شاهدًا على الزيارة الأخيرة التي لم يعد منها أحد.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest