بحر غزة .. من ملاذ للنازحين إلى بؤرة خطر بيئي وصحي

المركز الفلسطيني للإعلام

لم يعد شاطئ قطاع غزة، الذي شكّل لعقود المتنفّس الطبيعي الوحيد لسكان القطاع، مكانًا يقصده الناس للاستجمام أو الهروب من قسوة الحياة، بل تحوّل اليوم إلى مصدر تهديد مباشر للصحة والبيئة.

ففي ظل استمرار الحرب، وتدمير البنية التحتية، وانهيار منظومة الصرف الصحي، تتدفق آلاف الأمتار المكعبة من المياه العادمة يوميًا إلى البحر، لتغلق على أكثر من مليوني فلسطيني آخر مساحة يمكن أن تمنحهم شيئًا من الراحة وسط واقع إنساني بالغ القسوة.

ومع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية داخل خيام النزوح، لم يعد أمام مئات الآلاف سوى اللجوء إلى البحر هربًا من لهيب الصيف، رغم إدراكهم للمخاطر الصحية التي باتت تحيط به. وبين حرارة الخيام ومياه البحر الملوثة، يجد النازحون أنفسهم أمام خيارات قاسية لا تترك لهم سوى المفاضلة بين خطرين.

البحر… ملاذ اضطراري رغم التلوث

على امتداد الساحل، تنتشر آلاف الخيام التي أقامها النازحون بعد تدمير منازلهم، فيما أصبح البحر جزءًا من حياتهم اليومية، ليس للترفيه وإنما للتخفيف من وطأة الحر الخانق.

النازح أسعد النجار يقول إن المشهد تغير بالكامل، موضحًا أن سكان المنطقة باتوا يستيقظون على روائح مياه الصرف الصحي بدلًا من نسيم البحر الذي اعتادوا عليه.

أما أحمد صيام، الذي نصب خيمته قرب الشاطئ بعد فقدان منزله، فيؤكد أن البحر الذي لجأ إليه هربًا من القصف لم يعد آمنًا، لكنه يبقى الخيار الوحيد في ظل انعدام البدائل.

ويشاركهم جهاد محمد الشعور ذاته، معتبرًا أن البحر أصبح المنفذ الوحيد للسكان مهما بلغت درجة تلوثه، فيما ترى ناديا الناجي، وهي أم لأربعة أطفال، أن النزول إلى البحر لم يعد رفاهية، بل محاولة مؤقتة للتخفيف من الضغوط النفسية والجسدية التي فرضتها ظروف النزوح.

انهيار منظومة الصرف الصحي

الأزمة البيئية التي يعيشها القطاع ترتبط بشكل مباشر بالدمار الواسع الذي طال مرافق المياه والصرف الصحي.

وتؤكد بلدية غزة أن نحو 24 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي والمياه العادمة تُضخ يوميًا إلى بحر المدينة دون أي معالجة، عبر خمسة مصبات رئيسية.

ويحذر المتحدث باسم البلدية حسني مهنا من أن استمرار تصريف المياه العادمة يشكل خطرًا بيئيًا وصحيًا كبيرًا، نتيجة تسربها إلى الخزان الجوفي، فضلًا عن مساهمتها في انتشار الحشرات والقوارض داخل مناطق النزوح.

ولا تقتصر الأزمة على مدينة غزة، إذ تشير التقديرات إلى أن كمية المياه العادمة غير المعالجة التي تصل إلى البحر على مستوى القطاع تجاوزت 130 ألف متر مكعب يوميًا، بعد توقف خمس محطات رئيسية لمعالجة المياه بسبب نقص الوقود والطاقة والدمار الذي لحق بها.

كما تعرضت شبكات الصرف الصحي لأضرار واسعة، حيث دُمر نحو 220 ألف متر طولي من الشبكات، فيما خرجت ثماني محطات ضخ عن الخدمة كليًا أو جزئيًا، الأمر الذي أدى إلى تدفق المياه العادمة نحو الشوارع ومخيمات النزوح قبل وصولها إلى البحر.

الأمراض تنتشر بوتيرة مقلقة

وانعكست هذه الكارثة البيئية بصورة مباشرة على الواقع الصحي في القطاع، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في الأمراض الجلدية والمعدية.

فقد سجلت المنظومة الصحية خلال أسبوعين نحو 9300 إصابة بجدري الماء، إضافة إلى أكثر من 18 ألف إصابة جديدة بأمراض جلدية معدية، بينها الجرب والقمل والحصف، خلال أسبوع واحد فقط.

وترجع الجهات الصحية هذا الارتفاع إلى الاكتظاظ الشديد داخل مراكز الإيواء، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع خدمات المياه والصرف الصحي، في وقت يعيش فيه نحو 1.7 مليون نازح داخل أكثر من 1600 مركز إيواء.

تحذيرات طبية من واقع أخطر

ويرى مختصون أن الأرقام المعلنة لا تعكس الحجم الحقيقي للأزمة. ويؤكد استشاري طب الأطفال في مستشفى الرنتيسي الدكتور شريف مطر أن الإصابات الفعلية تتجاوز بكثير ما تسجله المرافق الصحية، لأن أعدادًا كبيرة من المرضى تتلقى العلاج داخل مخيمات النزوح دون تسجيل رسمي.

من جانبه، يشير مدير الإغاثة الطبية الدكتور بسام زقوت إلى أن آلاف الأطفال الذين ولدوا خلال الحرب لم يحصلوا على برامج التطعيم الأساسية، في وقت تعيق فيه القيود المفروضة إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة.

كما يؤكد استشاري الأمراض الجلدية في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني الدكتور رائد أبو سرية أن القطاع يشهد ارتفاعًا غير مسبوق في الأمراض الجلدية مقارنة بالسنوات السابقة، محذرًا من اتساع رقعة انتشارها إذا استمرت الظروف الحالية.

معاناة يومية داخل الخيام

ولا تتوقف آثار الأزمة عند الإحصاءات، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للعائلات النازحة.

النازح حمد الله سالم قنن يروي أن أفراد أسرته جميعًا أصيبوا بالطفح الجلدي والحكة وارتفاع الحرارة، مؤكدًا أن ضيق مساحة الخيمة حال دون عزل أي مصاب، ما أدى إلى انتقال العدوى إلى الجميع.

أما محمود فايز المصري، فيصف أكثر اللحظات قسوة بأنها ساعات الليل، حين يشتد الألم على طفله ويعجز عن النوم بسبب الحكة والالتهابات.

كارثة تتطلب استجابة عاجلة

ويرى مختصون أن ما يعيشه قطاع غزة تجاوز كونه أزمة بيئية مؤقتة، ليصبح كارثة مركبة تهدد الصحة العامة والموارد الطبيعية في آن واحد.

ويؤكدون أن الحد من تفاقم الأزمة يتطلب إعادة تشغيل محطات معالجة مياه الصرف الصحي ومحطات الضخ، وتوفير الوقود والطاقة اللازمة لتشغيلها، وإدخال معدات الصيانة وقطع الغيار، إلى جانب تنفيذ مسح بيئي شامل لتقييم آثار التلوث على مياه البحر والخزان الجوفي.

وفي انتظار ذلك، يبقى البحر، الذي كان لعقود المتنفس الوحيد لسكان غزة، أسيرًا لتداعيات الحرب والانهيار البيئي، بينما يواصل مئات الآلاف التوجه إليه يوميًا، ليس لأنه آمن، بل لأنه لم يعد لديهم مكان آخر يلجؤون إليه.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest