بعيدا عن القصف.. انهيار المنظومة الصحية يوسّع دائرة الموت في غزة

انهيار المنظومة الصحية بغزة

غزة – المركز الفلسطيني للإعلام

لا يحتاج الموت في غزة إلى غارة جديدة دائماً، فقد يقترب مع دواء ينفد، أو فحص يتعذر إجراؤه، أو عملية جراحية لم تعد متاحة، أو تحويلة للعلاج خارج القطاع يطول انتظارها، وبين هذه الأبواب المغلقة، تصبح أمراض وإصابات قابلة للعلاج خطراً على الحياة، وتمتد نتائج الحرب إلى مرضى لم تصبهم القذائف، لكن أصابهم تراجع القدرة على إنقاذهم.

وتكشف معطيات فلسطينية رسمية واردة في تقرير تحليلي عن الوضع الصحي خلال سبتمبر 2026، عن تآكل متزامن في مقومات الرعاية، مستشفيات تعمل جزئياً، وأعداد أقل من الأطباء، وأجهزة تشخيص تتراجع، وأدوية أساسية ينفد مخزونها، وآلاف المرضى ينتظرون الوصول إلى خدمات غير متاحة محلياً.

وتؤيد تقارير وتصريحات أممية صادرة خلال سبتمبر جوانب أساسية من هذه الصورة، من تعطل علاج السرطان وغسيل الكلى إلى نقص الرعاية التوليدية والوقود اللازم لتشغيل الخدمات، ويكشف جمع هذه المعطيات أن الأزمة تتجاوز خسارة مبنى أو جهاز؛ فهي تصيب سلسلة العلاج بكاملها، من التشخيص الأولي إلى التدخل والمتابعة والتأهيل.

مستشفيات تعمل.. وقدرة علاجية تتآكل

بحسب المعطيات يعمل 22 مستشفى من أصل 34 بصورة جزئية، فيما خرجت 12 مستشفى من الخدمة، وتساند المنشآت المتبقية 12 مستشفى ميدانياً، تدير منظمات دولية ثمانية منها.

لكن استمرار العمل الجزئي لا يعني استعادة القدرة على تقديم جميع الخدمات، فقد يستقبل المستشفى مرضى في بعض أقسامه، بينما يعجز عن إجراء فحوص تخصصية أو عمليات تحتاج إلى تجهيزات وكوادر ومستلزمات غير متاحة.

وتعزز منظمة الصحة العالمية هذا التوصيف، فقد قال مديرها العام، في اجتماع وزاري بشأن الصحة والوصول الإنساني في غزة يوم 24 سبتمبر، إن 19 مستشفى من أصل 36 تعمل ولو بصورة جزئية، وإن أياً منها لا يعمل بكامل قدرته، وهو ما يؤكد أن بقاء منشأة مفتوحة لا يساوي توافر علاج متكامل، والتشغيل الجزئي هو السمة التي تحكم الخدمات المتبقية.

وتشير وزارة الصحة أيضاً إلى غياب أسرّة المستشفيات في محافظتي شمال غزة ورفح، بما يعمق التفاوت الجغرافي في الحصول على الرعاية، فالمريض الذي يحتاج إلى دخول مستشفى يواجه، إلى جانب البحث عن الخدمة، تحدي الوصول إليها خارج منطقة سكنه.

أما المستشفيات الميدانية، فتؤدي دوراً مسانداً في سد بعض الفجوات، لكن وجودها لا يعوض تلقائياً شبكة المستشفيات وأقسامها التخصصية، كما يبقى استمرار جانب مهم من خدماتها مرتبطاً بتدفق الدعم والإمدادات وقدرة الفرق على العمل.

الأطباء أقل.. والاحتياجات لا تتراجع

وانخفض عدد أطباء وزارة الصحة من 2083 إلى 1363 طبيباً، بنسبة 34.6%، أي بفارق 720 طبيباً، وتشمل الفجوات تخصصات حيوية، بينها النساء والتوليد والباطنة والعناية المركزة.

ويكتسب نقص الاختصاصيين خطورة خاصة لأن الرعاية لا تقوم على عدد الأطباء وحده، فالحالة المعقدة تحتاج إلى فريق يستطيع التشخيص والتدخل ومراقبة الاستجابة والتعامل مع المضاعفات، ضمن بيئة تتوافر فيها الأدوية والأجهزة والطاقة.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأمهات والمواليد يواجهون مخاطر متزايدة بسبب نقص الأدوية والتجهيزات والكوادر التخصصية، وأشارت في بيان مديرها العام إلى ما لا يقل عن 920 اعتداء على المنشآت الصحية والعاملين فيها منذ 2023، واستشهاد أكثر من 1700 من العاملين الصحيين، وهذه حصيلة تشمل فئات صحية متعددة، ولا تمثل تفسيراً عددياً مباشراً لتراجع أطباء الوزارة وحدهم.

ويعني فقدان الخبرة أن إعادة فتح قسم أو إدخال جهاز لا تكفي لاستعادة الخدمة، إذ تحتاج المنظومة إلى فرق مؤهلة تستطيع مواصلة العمل، وإلى حماية تمنع استنزاف ما تبقى منها.

تعطل التشخيص يؤخر العلاج

وتراجع عدد أجهزة التصوير الطبي والتشخيص من 635 إلى 240 جهازاً، بنسبة 62.2%، وتوقفت خدمات الرنين المغناطيسي وجراحة القلب المفتوح وزراعة أجهزة تنظيم ضربات القلب.

وتكشف هذه المعطيات أن تعطل العلاج قد يبدأ قبل الوصول إلى غرفة العمليات أو تحديد الدواء المناسب، فغياب الفحص المطلوب يضعف القدرة على معرفة طبيعة المرض أو الإصابة وتقدير التدخل اللازم، بينما يدفع توقف الخدمة التخصصية بعض الحالات إلى طلب الإحالة خارج القطاع.

ويقدم تقرير “أوتشا” المؤرخ في 25 سبتمبر مثالاً على هذا التعطل، فقد أورد تعليق خدمات تصوير الثدي والتصوير المقطعي في المستشفى الأهلي، مع بقاء قدرة محدودة لتصوير الثدي في مستشفى القدس التابع للهلال الأحمر الفلسطيني.

وتظهر أهمية هذا المثال في أن نقص القدرة لا يصيب العلاج وحده، بل يطاول اكتشاف المرض ومتابعته أيضاً، وحين تتراجع الفحوص، يصبح تحديد احتياجات المريض وإحالته أكثر صعوبة، وتتراكم الفجوات بين مراحل الرعاية.

نفاد الدواء يقطع العلاج من داخله

وبلغت نسبة أصناف الأدوية الأساسية ذات المخزون الصفري 44%، فيما لم يتوفر 54% من المستهلكات الطبية، وشمل النقص أقلام الإنسولين وأدوية السرطان ومثبطات المناعة لمرضى زراعة الكلى وعوامل التخثر.

ولا تعني هذه النسب أن جميع الأدوية أو الإجراءات متوقفة، لكنها تشير إلى نفاد أصناف أساسية، وإلى فجوة واسعة في الأدوات التي تحتاجها الرعاية اليومية.

ويؤيد “أوتشا” هذا التحذير، إذ رصد فجوات تهدد الحياة في علاج السرطان، ونقص مواد غسيل الكلى والإنسولين، وربط تعطّل الخدمات بنقص التمويل وعدم الحصول على الموافقات اللازمة لإدخال أدوية متاحة، فضلاً عن نقص زيوت المولدات وقطع الغيار والمستهلكات.

وتكشف هذه الخلفية أن أزمة الدواء جزء من اختناق أوسع في الإمداد والتشغيل، فوجود وصفة طبية لا يضمن الحصول على العلاج، كما أن إدخال كمية محدودة لا يكفل انتظامه إذا تعذر توفير الجرعات والإجراءات التالية.

وبالنسبة للمرضى الذين تعتمد رعايتهم على الاستمرار، تصبح قابلية الخدمة للانقطاع مشكلة بحد ذاتها، فالعلاج يحتاج إلى مسار مستقر يمكن للفريق والمريض الاعتماد عليه، لا إلى استجابة متقطعة لكل نقص جديد.

الوقود.. حلقة علاجية لا مجرد حاجة تشغيلية

وتدرج وزارة الصحة الوقود والزيوت وقطع الغيار ضمن الاحتياجات العاجلة لاستعادة الخدمات، وهي احتياجات ترتبط بتشغيل التجهيزات والمولدات، وبحركة المركبات والفرق التي تصل بين المرضى ومرافق الرعاية.

وفي تقريره المؤرخ في 18 سبتمبر، أوضح “أوتشا” أن نقص زيوت المحركات والإطارات وقطع الغيار للمركبات المستخدمة من الأمم المتحدة والمنظمات، بما فيها سيارات الإسعاف، أدى إلى تعليق خدمات نقل الموظفين.

 وأشار إلى إعلان الوزارة والشركاء الانتقال إلى أنماط تشغيل طارئة منذ 16 سبتمبر، تعطي الأولوية للخدمات المنقذة للحياة وتقلص الأنشطة الروتينية.

وأعلن تخصيص مليوني دولار لدعم وقود عشرات الخدمات الصحية الحيوية لمدة أربعة أشهر، مؤكداً أن الاعتماد على المولدات الاحتياطية إجراء مؤقت يحتاج إلى حلول مستدامة للطاقة.

وتوضح هذه الوقائع أن تقليص الخدمات قد يحدث حتى دون تدمير جديد للمنشأة فيكفي تعطل النقل أو الصيانة أو الطاقة لإضعاف القدرة على استقبال المرضى ومتابعتهم.

الإجلاء الطبي.. انتظار يقضم فرص النجاة

وتشير وزارة الصحة إلى أن نحو 21 ألف مريض ينتظرون الإجلاء الطبي، فيما توفي 2027 مريضاً أثناء الانتظار، ومنذ الأول من فبراير 2026، أُجلي 2877 مريضاً فقط، ما يصل إلى نحو 14% من عدد المرضى الذين استكملوا إجراءات التحويل.

وتكشف هذه الفجوة احتياجاً علاجياً يتجاوز الخدمات المحلية وفرص الوصول إلى الرعاية خارج القطاع معاً، فحين تتوقف جراحة أو خدمة تشخيصية، تصبح الإحالة ضرورة لبعض الحالات، بينما يظل تنفيذها محدوداً.

وتؤيد منظمة الصحة العالمية الحاجة إلى توسيع هذا المسار، إذ أكدت في 24 سبتمبر أن عشرات الآلاف يحتاجون إلى رعاية تخصصية غير متاحة محلياً، ودعت إلى زيادة الإجلاء واستعادة الإحالات إلى القدس والضفة الغربية.

والانتظار هنا لا يوقف تطور المرض، لذلك، فإن تقييم الاستجابة يحتاج إلى النظر في قدرة الإجلاء على مواكبة الأولويات السريرية، إلى جانب عدد الذين استطاعوا المغادرة.

الأمهات والمواليد في قلب الأزمة

وانخفض عدد حضّانات حديثي الولادة من 162 إلى 122، فيما صُنّف نحو 30% من الحوامل المسجلات ضمن حالات الحمل عالية الخطورة.

وتأتي هذه الاحتياجات مع نقص اختصاصيي النساء والتوليد، واستمرار سوء التغذية بين الحوامل والمرضعات والأطفال، ويعني تزامنها ضغطاً على خدمات تحتاج إلى متابعة منتظمة وإمكان التدخل العاجل عند الضرورة.

وفي بيان صدر في 23 سبتمبر، حذر صندوق الأمم المتحدة للسكان من نقص حاد في الرعاية التوليدية الطارئة، مشيراً إلى أن أياً من 209 وحدات لتقديم الخدمات الصحية جرى تقييمها في غزة لم يكن يعمل بصورة كاملة، ويتعلق هذا الرقم بوحدات صحية متعددة، وليس بالمستشفيات وحدها.

ويعزز هذا التقييم صورة نقص القدرة التي تعرضها الوزارة، ويبين أن المخاطر الصحية تحيط بالحمل والولادة داخل بيئة تفتقر أيضاً إلى مقومات الحماية والمعيشة الآمنة.

سوء التغذية والمرض

وتوفر اليونيسف خلفية مهمة لفهم الأثر الممتد للأزمة، ففي بيان نشرته في 24 أغسطس، عرضت نتائج مسح أُجري بين نهاية مايو ومنتصف يونيو في المناطق التي أمكن الوصول إليها، وسجلت التقزم لدى 12.2% من الأطفال دون الخامسة، وضعف تنوع الغذاء، وأعباء مرضية بينها الإسهال.

وأشارت المنظمة إلى تحسن بعض مؤشرات سوء التغذية الحاد، لكنها حذرت من هشاشة هذا التحسن واعتماده على استمرار الإمدادات والخدمات، وأوضحت أن نحو 17% من سكان غزة استُبعدوا من إطار أخذ العينة بسبب قيود الوصول والأمن، ولذلك لا تمثل النتائج قياساً شاملاً لكل القطاع أو وصفاً مباشراً لشهر سبتمبر.

وتكشف هذه الخلفية أن تراجع الجوع الحاد في بعض المناطق لا يمحو الأثر الصحي المتراكم، فالتعافي يحتاج إلى غذاء مناسب ورعاية ومياه آمنة، وهي عناصر تتداخل مع قدرة المستشفيات على علاج المرضى ومنع عودة تدهورهم.

استعادة الحياة تحتاج إلى منظومة كاملة

وتحدد وزارة الصحة أولويات تشمل حماية المنشآت والكوادر، وتدفق الأدوية والمستلزمات والوقود، وتوسيع الإجلاء، وإدخال الفرق المتخصصة، وتأهيل المستشفيات واستعادة الخدمات المعطلة.

وتوضح المعطيات الفلسطينية والتقارير الأممية أن هذه الأولويات مترابطة، جهاز بلا صيانة لا يعيد التشخيص، ودواء بلا إمداد منتظم لا يضمن العلاج، ومستشفى بلا اختصاصيين لا يستعيد خدماته، وتحويلة بلا طريق للمغادرة لا تنقذ مريضاً.

وفي غزة، يستمر أثر الحرب داخل أجساد المرضى بعد لحظة القصف، وكل باب علاج يُغلق يضيق معه هامش النجاة، حتى يصبح المرض الذي كان يمكن علاجه خسارةً أخرى، ويصبح تأخير إنقاذ الحياة جزء من الخطر الذي يهددها.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest