
غزة – المركز الفلسطيني للإعلام
في الخارج، تُعرض صور غزة التي يفترض أن تكون بعد ستة أشهر، مساكن بديلة، مستشفيات يجري ترميمها، طرق تُفتح من جديد، ركام يُزال، ومياه وكهرباء واقتصاد يستعيد بعضا من حياته، وفي الداخل، ثمة غزة أخرى لا تنتظر ستة أشهر، غزة التي تستيقظ على غارة، وتبحث عائلة فيها عن خيمة أفضل، وينتظر مريض دواء، ويحسب مستشفى كمية الوقود والمستلزمات المتبقية لديه، فيما تحاول آلاف الأسر أن تجعل ما يصلها من غذاء يكفي حتى موعد المساعدة التالية.
بين الغزتين تقع المفارقة كلها، ففي اليوم الذي أعلن فيه “مجلس السلام” الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة بقيمة 2.45 مليار دولار لـلتعافي المبكر في قطاع غزة، كانت أخبار القطاع لا تزال تتحدث عن غارات جديدة وجرائم حرب متكررة وشهداء جدد يرتقون.
الخطة تمتد ستة أشهر وتضم 66 مشروعا، من المساكن المؤقتة وإزالة الركام إلى إصلاح المستشفيات والطرق وشبكات المياه والكهرباء وتحريك الاقتصاد، لكن تنفيذها لا يزال مرتبطا بعقبات سياسية وتمويلية، ولم يُؤمَّن كامل مبلغها حتى الآن.
وهكذا، بينما يُناقش العالم كيف ستتعافى غزة غدا، لا تزال غزة تسأل كيف ستنجو اليوم؟.
400 مليون.. والخيمة ما زالت بيتا
تخصص الخطة نحو 400 مليون دولار لتوفير مساكن مؤقتة معزولة للنازحين الذين يعيشون في الخيام، رقم كبير، لكنه حين يوضع إلى جوار الواقع الحالي يكتسب معنى آخر.
قبل أيام فقط، انتهت عمليات الإنقاذ من تحت أنقاض “عمارة السعادة” التي انهارت على النازحين فيها بمدينة غزة، مخلفة 21 شهيدا، فيما أُنقذ عشرات الأشخاص من تحت الركام.
خطة “مجلس السلام” تقول مساكن مؤقتة، والواقع يقول عائلات ما زالت تختار بين خيمة لا تحميها ومبنى تخشى انهياره.
وتشير “أوتشا” إلى أن جهود البحث والإنقاذ وإصلاح المباني ومساعدة السكان على الانتقال من المناطق المعرضة للخطر مقيدة بنقص الآليات والوقود والزيوت وقطع الغيار وغيرها من المواد.
لذلك، فإن المأوى الذي يظهر بندا ماليا في خطة التعافي هو، بالنسبة إلى عائلة في غزة، سؤال الليلة المقبلة، أين ننام؟
50 مليونا.. والمستشفيات تقاتل للبقاء
وتخصص الخطة نحو 50 مليون دولار لإعادة تأهيل المستشفيات، لكن المفارقة أن السؤال داخل القطاع ليس فقط متى ستُرمم المستشفيات المتضررة، بل كيف تبقى المرافق التي تعمل حاليا قادرة على تقديم خدماتها؟
فقد وثقت “أوتشا” خلال سبتمبر الجاري استمرار نقص المستلزمات الطبية الحيوية، إلى جانب القيود على إدخال زيوت المحركات وقطع الغيار التي تعتمد عليها المولدات والمركبات والآليات المستخدمة في المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية وبنوك الدم وغيرها من الخدمات الأساسية.
وفي غزة، حيث لا توجد كهرباء موثوقة، لا يكون نقص زيت المحرك أو قطعة الغيار تفصيلًا فنيًا صغيرا، فالمولدات تشغّل المستشفيات وآبار المياه ومحطات التحلية ومرافق الصرف الصحي، والخطة تعد بإصلاح مستشفى في المستقبل، بينما الموجود منه يحاول ألا يتوقف في الحاضر.
إحياء الاقتصاد.. والطرد لا يكفي
وفي الوثائق، هناك حديث عن إعادة تشغيل القطاع الخاص والمنح والمشروعات الصغيرة والتحول الرقمي واستعادة النشاط الاقتصادي.
لكن على بعد آلاف الكيلومترات من قاعات الاجتماعات، تبدأ اقتصادات كثير من العائلات الغزية من حساب مختلف تماما، كم تبقى من الطحين والطعام؟
وبحسب “أوتشا”، أدت محدودية المخزون خلال سبتمبر إلى حصول الأسر المستفيدة من إحدى جولات التوزيع على طرد غذائي واحد وكيس طحين بوزن 25 كيلوغراما، بما يغطي نحو 50% من الحد الأدنى للاحتياجات من السعرات الحرارية.
ومرة أخرى تظهر المفارقة، هناك من يرسم خطة لإنعاش اقتصاد غزة، وهناك من يحاول في غزة أن يجعل نصف احتياجاته الغذائية تكفيه وقتا مضاعفا.
ولا يعني ذلك أن إعادة الاقتصاد ليست ضرورة، بل يكشف المسافة التي ينبغي قطعها قبل أن يصبح التعافي الاقتصادي مفهومًا يلامس حياة الأسرة العادية.
طرق جديدة.. وآليات تنتظر قطعة غيار
وتضع الخطة نحو 30 مليون دولار لإصلاح شبكة الطرق، إضافة إلى مئات الملايين لإزالة الركام ومخلفات الحرب، لكن إزالة الركام نفسها تواجه اليوم نقصا في الآليات الثقيلة وقطع الغيار والزيوت والوقود.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن القيود على دخول هذه المواد تعطل ليس فقط إعادة التأهيل، وإنما خدمات يومية تمتد من نقل المساعدات وإزالة النفايات إلى تشغيل المولدات والآليات الإنسانية.
وهكذا يصبح المشهد شبه دائري، الخطة تحتاج آليات لإزالة آثار الحرب، بينما الواقع يمنع أو يؤخر وصول بعض ما تحتاجه تلك الآليات حتى تستمر في العمل.
مدارس تعود.. لكن إلى الخيام
حتى التعليم يحمل المفارقة ذاتها، فبعد قرابة ثلاثة أعوام من الانقطاع، عاد مئات آلاف الطلبة إلى التعليم الوجاهي هذا الشهر، في خطوة تبدو واحدة من أكثر علامات الحياة وضوحا، لكن نحو 98% من مدارس غزة تعرضت للضرر أو التدمير وفق بيانات “يونيسف”، ما دفع إلى إقامة مساحات تعليمية مؤقتة باستخدام الخيام والأغطية والمواد المتاحة.
أي أن غزة عادت إلى المدرسة، لكن المدرسة نفسها لم تعد كما كانت، وهنا أيضا يبدو المشهد وكأنه يلخص القصة كاملة، الناس يبدؤون التعافي قبل وصول خطة التعافي إليهم، وبأقل الإمكانات المتاحة.
بعد ستة أشهر.. ولكن ماذا عن الليلة؟
ليست المشكلة في وجود خطة لإعمار غزة، فالقطاع الذي لحقت به أضرار مادية تقدر الخطة نفسها قيمتها بنحو 35.2 مليار دولار يحتاج إلى مشروع ضخم وطويل الأجل، فيما تقدر الوثيقة كلفة التعافي وإعادة الإعمار خلال عقد بنحو 71.4 مليار دولار.
المفارقة تكمن في أن الحديث عن هذه المليارات يجري بينما الاحتياجات الأكثر بساطة لم تُحسم بعد، 400 مليون دولار لمساكن الغد، مقابل عائلة تبحث عن سقف آمن الليلة، 50 مليونا لإصلاح المستشفيات، مقابل مرفق صحي يقلق من الوقود وقطع الغيار اليوم، خطة لإنعاش الاقتصاد، مقابل مساعدة غذائية لا تغطي سوى جزء من الاحتياج، مئات الملايين لإزالة الركام، مقابل فرق ميدانية تعاني نقص المعدات اللازمة للتعامل معه.
وفوق كل ذلك، خطة تحمل اسم التعافي بينما ما زالت الغارات توقع شهداء ومصابين جدد، لهذا قد لا يكون السؤال الأكثر إلحاحا بالنسبة إلى سكان غزة: كيف سيكون القطاع بعد ستة أشهر؟ بل، ماذا سيحدث خلال الساعات والأيام المقبلة؟
وبين السؤالين تتكشف المفارقة التي تختصر المشهد، العالم بدأ يرسم اليوم التالي لغزة، فيما لا يزال سكانها منشغلين بتأمين هذا اليوم، فالقطاع الذي يُطلب منه أن يستعد للتعافي، لم يحصل بعد على الظروف التي تسمح له بأن يبدأه.


