
المركز الفلسطيني للإعلام
لم يعد الحديث عن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة مجرد طرح هامشي داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، بل انتقل تدريجيًا إلى صلب النقاش العام، بالتزامن مع طرح خطط وآليات حكومية لتشجيع خروج سكان القطاع، تحت مسمى “الهجرة الطوعية”، بما يثير مخاوف من تحويل التهجير من خطاب سياسي إلى سياسة عملية منظمة.
ويكشف الربط بين تصريحات مسؤول استخباراتي إسرائيلي سابق وخطة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، عن مسار متدرج تتداخل فيه السياسة والانتخابات مع أدوات حكومية ومالية وإعلامية، بهدف جعل مغادرة الفلسطينيين من غزة خيارًا مطروحًا وقابلًا للتنفيذ.
من الهامش إلى قلب النقاش الإسرائيلي
قال ميخائيل ميلشتاين، المسؤول السابق عن الساحة الفلسطينية في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إن فكرة تهجير الفلسطينيين أصبحت في مركز النقاش العام داخل إسرائيل، بعدما ظلت لعقود خطابًا هامشيًا.
وأوضح ميلشتاين أن فكرة نقل الفلسطينيين كانت حاضرة في الفكر الصهيوني منذ بداياته، وجرى بحثها في مراحل مختلفة عبر حوافز اقتصادية أو اتفاقيات مع دول أخرى، فيما احتل قطاع غزة موقعًا مركزيًا في هذه النقاشات منذ احتلاله عام 1967، حين طرحت مشاريع لتقليص عدد سكانه أو إفراغه بالكامل.
لكن هذه الأفكار تراجعت إلى هامش الخطاب عندما أدرك صناع القرار الإسرائيليون محدودية فرص تنفيذها، والخسائر السياسية والدبلوماسية التي يمكن أن تلحق بإسرائيل في حال محاولة تطبيقها.
غير أن المشهد تغير جذريًا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ انتقلت فكرة التهجير تدريجيًا من الهامش إلى مركز النقاش الإسرائيلي، وأصبحت جزءًا من أجندة أحزاب اليمين.
“الهجرة الطوعية”.. الاسم الجديد للتهجير
وفي هذا السياق، برزت داخل الحكومة الإسرائيلية خطوات أكثر وضوحًا باتجاه تحويل الفكرة إلى مشروع سياسي.
فبحسب ما أوردته تقارير إعلامية إسرائيلية، يتمسك وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بخطة أطلق عليها اسم “فك الارتباط 710″، ويقدمها باعتبارها مشروعًا لـ”الهجرة الطوعية” لسكان قطاع غزة.
وتضع الخطة أهدافًا زمنية واضحة؛ إذ تستهدف مغادرة 250 ألف فلسطيني خلال السنة الأولى، ثم نحو 1.11 مليون خلال ثلاث سنوات، وصولًا إلى 1.86 مليون فلسطيني خلال سبع سنوات.
ولا تكتفي الخطة بالدعوة السياسية إلى المغادرة، بل تتضمن حزمة من الإجراءات والحوافز يفترض أن تجعل الخروج قابلًا للتنفيذ، بينها توفير دول تستقبل المغادرين، ووضع قانوني ووثائق وتأشيرات، وتمويل للسفر، وسكن أولي، وتدريب مهني، ومساعدة في الحصول على وظائف، إلى جانب دعم يمتد حتى 24 شهرًا.
كما تقترح إعداد ملف لكل فرد وعائلة، مع الحفاظ على وحدة الأسرة، وتوفير مسارات للعمل والدراسة والعلاج، إضافة إلى برامج للاستيعاب والتأهيل في الدول المستقبلة.
15.6 مليار دولار لتغيير ديموغرافية غزة
ويكشف الجانب المالي للخطة عن محاولة الانتقال من مجرد شعار سياسي إلى مشروع طويل الأمد.
وبحسب التفاصيل المنشورة، تحتاج الخطة إلى استثمار إسرائيلي أولي يقدر بنحو 3.1 مليارات دولار، بينما يصل إطار التمويل المقترح إلى 15.6 مليار دولار، على أن يرتبط تنفيذ الجزء الأكبر منه بمشاركة دول أخرى وإبرام اتفاقيات مع الدول التي يمكن أن تستقبل الفلسطينيين.
ولا يتوقف الأمر عند التمويل، إذ يريد حزب “القوة اليهودية” الذي يقوده بن غفير جعل الخطة جزءًا رئيسيًا من حملته الانتخابية وشرطًا للمشاركة في الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
ويطالب بن غفير بإنشاء وزارة متخصصة تحت مسمى “الهجرة الطوعية”، تضم وزيرًا ومديرًا عامًا وميزانية وهيئات تنفيذية وفريقًا للتفاوض مع الدول الأخرى، إلى جانب جهاز مستقل يتولى تنفيذ المشروع.
كما تتضمن الخطة إطلاق حملة دعائية واسعة داخل إسرائيل وفي عدد من الدول الأفريقية للترويج لفكرة مغادرة الفلسطينيين من غزة.
العقبة الأكبر.. أين سيذهب سكان غزة؟
ورغم التفاصيل التي وضعت للخطة، فإن العقبة الأبرز أمام تنفيذها تبقى غياب الدول المستعدة لاستقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين.
وأجرت إسرائيل اتصالات سابقة مع دول عدة بهذا الشأن، لكنها لم تنجح في الوصول إلى ترتيبات عملية معلنة لاستقبال الأعداد المستهدفة.
ووفق ما أوردته تقارير إعلامية، أطلع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أعضاء حكومته المصغرة على اتصالات مع دول أفريقية، بينها إثيوبيا والكونغو وأرض الصومال، في محاولة لإقناعها باستقبال فلسطينيين يغادرون قطاع غزة.
كما أقر وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن مخطط تهجير الفلسطينيين من غزة “لم يُلغَ”، لكنه مجمد حاليًا، متحدثًا عن ضغوط عربية أدت إلى تجميده، ومشيرًا إلى رفض مصر تهجير الفلسطينيين من القطاع.
ميلشتاين: الأخطر هو تطبيع الفكرة
ولا يرى ميلشتاين أن المشكلة تكمن فقط في وجود أصوات سياسية تدعو إلى التهجير، بل في انتقال هذه الأفكار إلى المجال العام والتعامل معها باعتبارها مقترحات سياسية طبيعية قابلة للنقاش.
وحذر من أن وسائل الإعلام الإسرائيلية باتت تستضيف ممثلي أفكار التهجير في مقابلات هادئة، من دون طرح الأسئلة المتعلقة بكيفية تنفيذ هذه الرؤية، وتداعياتها الأخلاقية والسياسية والقيمية.
وبالنسبة إليه، فإن الأخطر من تطبيع خطاب التهجير هو الترويج للوسائل التي تسمح بتنفيذه، معتبرًا أن هذا المسار بدأ بالفعل يضر بشرعية إسرائيل الدولية، ويهدد صورتها، ويفتح الباب أمام تصاعد الضغوط والعقوبات والعزلة الدولية.
ويربط المسؤول الاستخباراتي السابق هذا التحول بما يصفه بتفكك الإجماع الداخلي الإسرائيلي والتطرف المتزايد في منظومة القيم والخطاب منذ 7 أكتوبر، إلى جانب تنامي تأثير الخطاب الديني والعقائدي في صياغة الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية، بما في ذلك تهجير الفلسطينيين من غزة وضم أجزاء من الضفة الغربية.
الانتخابات تمنح المشروع دفعة سياسية
وتأتي هذه التطورات في توقيت سياسي حساس، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وهو ما يمنح ملف التهجير مساحة إضافية في المنافسة بين أحزاب اليمين.
ويحاول بن غفير وحلفاؤه اليمينيون تحويل “الهجرة الطوعية” إلى ملف انتخابي رئيسي، فيما تتعامل أطراف أخرى داخل الحكومة الإسرائيلية مع الفكرة بدرجات مختلفة من الدعم أو التحفظ.
وفي المقابل، قال السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي إنه لا توجد خطة لإجبار الفلسطينيين على مغادرة غزة، لكنه تحدث عن انفتاح متزايد على فكرة منح سكان القطاع الراغبين في المغادرة إمكانية القيام بذلك، وهو موقف يترك الباب مفتوحًا أمام جدل واسع بشأن معنى “الطوعية” في ظل الظروف التي يعيشها سكان القطاع.
الطوعية تحت الضغط
تكمن جوهرية الخطة الإسرائيلية في إعادة تعريف التهجير من خلال تغيير المصطلحات. فبدل الحديث صراحة عن “ترحيل” الفلسطينيين، يجري تقديم المشروع تحت عنوان “الهجرة الطوعية”، مع ربطه بالسفر والعمل والسكن والدراسة والعلاج والحوافز المالية.
لكن طرح الخطة في ظل واقع غزة المدمر والحصار والقيود المفروضة على الحياة اليومية يجعل مفهوم “الطوعية” موضع تساؤل جوهري، خصوصًا عندما يصبح الخيار المطروح أمام السكان بين البقاء في ظروف قاسية أو مغادرة القطاع ضمن حزمة من الحوافز والتسهيلات التي توفرها الجهة المسيطرة على المعابر والبيئة الأمنية.
وهنا تبرز أهمية تحذير ميلشتاين: المسألة لم تعد مجرد وجود فكرة التهجير، وإنما تطبيعها داخل المجتمع الإسرائيلي، ثم الانتقال إلى مناقشة الأدوات اللازمة لتنفيذها.

