هكذا تُدفع الضفة نحو واقع من التهجير والعنف والاقتلاع

هكذا تُدفع الضفة نحو واقع من التهجير والعنف والاقتلاع

المركز الفلسطيني للإعلام

لم يعد ما يجري في الضفة الغربية، وفق منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية، مجرد اعتداءات متفرقة أو أحداث أمنية معزولة؛ فخلف مشاهد إحراق المنازل واقتلاع أشجار الزيتون وتهجير التجمعات الفلسطينية، تتشكل حياة يومية مثقلة بالاقتحامات والاعتقالات والحواجز والقيود الاقتصادية والخوف، في واقع تقول المنظمة إنه يطال ملايين الفلسطينيين ويعيد رسم تفاصيل وجودهم على الأرض.

وقالت المديرة التنفيذية لـ”بتسيلم”، يولي نوفيك، إن التهجير وحرق المنازل واقتلاع الأشجار وقتل الفلسطينيين تحولت إلى وقائع متكررة، معتبرة أن اختزالها في حوادث منفصلة يحجب الصورة الأوسع لما يجري في الضفة الغربية.

وأضافت نوفيك، في بيان صحفي اليوم السبت، أن أكثر المشاهد عنفًا هي التي تحظى بالتغطية الإعلامية، بينما تبقى تفاصيل الحياة اليومية لنحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية أقل ظهورًا؛ من صعوبة الوصول إلى المدارس وأماكن العمل، إلى المداهمات الليلية واعتقال أفراد من العائلات، وصولًا إلى القيود على الحركة والعيش في ظل انعدام مستمر للأمن.

أكثر من 1100 قتيل وعشرات التجمعات المهجّرة

وبحسب نوفيك، قُتل أكثر من 1100 فلسطيني في الضفة الغربية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما تعرضت عشرات التجمعات السكانية الفلسطينية للتهجير.

وترى أن هذه الأرقام والممارسات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها وقائع منفصلة عن بعضها، بل باعتبارها، من وجهة نظرها، أجزاء من صورة أوسع تتداخل فيها العمليات العسكرية وعنف المستوطنين والقيود على الحركة والضغط الاقتصادي والتهجير.

وتستند نوفيك في هذا الطرح إلى تقرير أصدرته “بتسيلم” بعنوان “مشروع المحو”، قالت المنظمة إنه يستند إلى أكثر من ألفي شهادة ودراسة للسياسات الإسرائيلية.

وبحسب قراءة المنظمة، فإن اجتماع العنف والقيود على الحركة والضغط الاقتصادي والتهجير، إلى جانب ما تصفه بالتفكيك الاجتماعي والسياسي، يشكل نمطًا متكاملًا من السيطرة على المجتمع الفلسطيني.

العنف ليس منفصلًا عن المنظومة

وانتقدت نوفيك الرواية التي تفصل بين “إسرائيل” داخل حدودها والاحتلال في الضفة الغربية، أو التي تنظر إلى عنف المستوطنين باعتباره سلوكًا منفصلًا عن مؤسسات الدولة.

وترى أن التطورات خلال السنوات الأخيرة جعلت هذا الفصل أكثر صعوبة، في ظل توسع المستوطنات وتداخل الأدوار، وفق طرحها، بين المستوطنين والمؤسسات الرسمية والقوات العسكرية.

وبحسب هذا التصور، فإن استمرار المستوطنات والبؤر الاستيطانية وتهجير التجمعات الفلسطينية لا يمكن تفسيره فقط بأفعال مجموعات محدودة من المستوطنين، وإنما يحتاج إلى مؤسسات وميزانيات وبنية تحتية وحماية عسكرية وأطر قانونية وإدارية.

ضفة بين نظامين قانونيين

وتضع نوفيك مسألة النظام القانوني في قلب انتقاداتها، مشيرة إلى وجود نظامين قانونيين مختلفين في الضفة الغربية؛ يخضع الفلسطينيون للقانون العسكري الإسرائيلي، في حين يخضع المستوطنون للقانون المدني الإسرائيلي.

وترى أن هذا الواقع يمثل، بحسب وصفها، أحد أبرز مظاهر التمييز البنيوي، ويكشف عن اختلاف في طبيعة التعامل القانوني مع السكان المقيمين في المنطقة نفسها.

ومن وجهة نظرها، فإن النظر إلى كل عملية هدم أو اعتقال أو اعتداء أو قرار مصادرة بصورة منفردة يحجب الترابط بين هذه الإجراءات وبين البنية السياسية والعسكرية والقانونية التي تحكم الحياة في الضفة الغربية.

من 1948 إلى الاستيطان

ولا تعيد نوفيك جذور الواقع الحالي إلى السنوات الأخيرة فقط، بل تربطه بمراحل أقدم من الصراع، بدءًا من أحداث عام 1948 وما رافقها، وفق روايتها، من تهجير فلسطينيين ومنع كثير منهم من العودة، مرورًا بمرحلة الحكم العسكري، وصولًا إلى احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967 وتوسع الاستيطان فيها.

وتقول إن فهم الواقع الراهن يتطلب، في رأيها، تغيير زاوية النظر إلى تاريخ الصراع؛ فبدل الاكتفاء بالسؤال عن دوافع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ينبغي النظر كذلك إلى ما ترتب على إقامة المشروع السياسي والاستيطاني في أرض كان يعيش فيها شعب فلسطيني بالفعل.

وفي هذا السياق، تصف نوفيك ما تسميه “الاستعمار الاستيطاني” بأنه مشروع يهدف إلى إقامة وجود دائم وفرض السيطرة على الأرض والسيادة عليها، وترى أن تقييمه ينبغي أن يستند إلى النظام السياسي الذي نشأ على الأرض ونتائجه، وليس فقط إلى دوافع المهاجرين وقصصهم الشخصية.

تغيير الوجوه لا يغيّر الواقع

وتخلص نوفيك إلى أن تغيير الحكومة أو استبدال مسؤولين بعينهم لن يكون كافيًا، من وجهة نظرها، لمعالجة ما تعتبره جذور المشكلة، طالما بقي النظام السياسي الذي يسمح باستمرار السيطرة والتمييز قائمًا.

وتدعو، في المقابل، إلى تصور نظام سياسي مختلف يقوم، بحسب طرحها، على الحرية والمساواة والأمن لجميع سكان المنطقة، بدل نظام تعطي فيه السيادة والحقوق والأمن أولوية لفئة على حساب أخرى.

وبهذا الطرح، تضع “بتسيلم” ما يجري في الضفة الغربية ضمن صورة أوسع من مجرد أحداث أمنية متفرقة، وتدفع باتجاه قراءة تجمع بين التهجير وعنف المستوطنين والاحتلال والاستيطان والقيود القانونية والعسكرية والاقتصادية، باعتبارها عناصر مترابطة في واقع فلسطيني تقول المنظمة إنه يتشكل يوميًا على الأرض.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest