الاعتقال السياسي يعود إلى الواجهة في الضفة.. هل تُجرى الانتخابات وسط تضييق على الحريات؟

المركز الفلسطيني للإعلام

مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الفلسطيني، تعود قضية الاعتقال السياسي في الضفة الغربية إلى واجهة المشهد، في ظل تزايد حالات الاعتقال والاستدعاء التي تطال نشطاء وسياسيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وأشخاصًا على خلفية آرائهم ومواقفهم، وسط تحذيرات من أن استمرار هذه الممارسات قد يضع الحريات العامة والبيئة الانتخابية أمام اختبار صعب.

ورغم عدم وجود معطيات تثبت ارتباط الاعتقالات الأخيرة مباشرة بالانتخابات المرتقبة، فإن تزامن تصاعدها مع الحديث عن الاستحقاق الانتخابي يثير مخاوف بشأن قدرة المواطنين والقوى السياسية والمجتمعية على ممارسة نشاطهم بحرية، خصوصًا أن الانتخابات بطبيعتها تتطلب مساحة مفتوحة للنقاش السياسي والتعبير والدعاية والترشح.

وكانت مجموعة «محامون من أجل العدالة» قد رصدت خلال الفترة الأخيرة نحو 12 حالة اعتقال، شملت سياسيين وأشخاصًا على خلفية الرأي والتعبير، إلى جانب عدد من الاستدعاءات والتحقيقات التي طالت نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان. وأشارت المجموعة إلى تكرار اتهامات في بعض الملفات، بينها «إثارة النعرات الطائفية» و«الذم الواقع على السلطة» و«تلقي أموال من جمعيات غير شرعية»، فضلًا عن اتهامات أخرى.

اعتقالات واستدعاءات تثير المخاوف

من أبرز الملفات التي ظهرت مؤخرًا قضية المهندس علاء الأعرج، الذي اعتقلته الأجهزة الأمنية الفلسطينية في التاسع من آب/أغسطس الجاري، قبل أن تقرر محكمة في نابلس تمديد توقيفه 15 يومًا. وبحسب عائلته، سبق اعتقاله استدعاؤه ومقابلته لدى الأجهزة الأمنية، فيما قالت والدته إن الأسرة لم تتمكن من زيارته رغم محاولاتها المتكررة.

وتقول العائلة إن الأعرج، وهو أسير محرر أمضى نحو ثماني سنوات في سجون الاحتلال، سبق أن تعرض للاعتقال السياسي، وإن استمرار احتجازه حرمه مرة أخرى من حضور ولادة طفله. وأعلن خلال جلسة المحكمة دخوله في إضراب عن الطعام احتجاجًا على استمرار توقيفه.

ولا تتوقف الحالات عند الأعرج، إذ تحدثت المجموعة الحقوقية كذلك عن احتجاز المواطنة وجيهة صباح، التي قاربت الستين من عمرها، لدى جهاز المباحث في بيت لحم، وقالت عائلتها إنها احتُجزت من دون مذكرة توقيف وتعرضت لظروف احتجاز سيئة استدعت نقلها إلى المستشفى.

وبحسب رواية العائلة، فإن صباح هي والدة رامي صباح، المفقود منذ نحو ثلاثة أعوام، وإنها تعتقد أن احتجازها جاء في سياق الضغوط التي تتعرض لها الأسرة بسبب مطالبتها بالكشف عن مصير ابنها. وطالبت «محامون من أجل العدالة» بتوضيح الأساس القانوني للاحتجاز وضمان حقوقها والإفراج عنها ما لم يوجد سند قانوني واضح.

وفي جنين، أعلنت المجموعة في 12 آب/أغسطس عن استدعاء أربع ناشطات والتحقيق معهن بشأن عملهن المجتمعي، مشيرة إلى أن الإجراءات شملت أفرادًا من عائلاتهن، إلى جانب مصادرة هواتف وحواسيب وبعض الأموال والمقتنيات الشخصية، وهو ما اعتبرته مساسًا بالحق في العمل المجتمعي وممارسة الحريات العامة.

خريشة: الاعتقال السياسي ملف قديم يتجدد

ويرى النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي حسن خريشة أن تصاعد الاعتقالات السياسية في الضفة، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات، «لا يبشر بالخير»، معتبرًا أن استمرار هذا الملف يعكس حالة من عدم التوافق بين القوى والأحزاب والفصائل الفلسطينية.

وقال خريشة إن الاعتقال السياسي ليس ظاهرة جديدة، بل ملف قديم «يتجدد باستمرار»، فيما تتغير الفئات المستهدفة وفقًا لتغير المواقع السياسية، معتبرًا أن غياب مؤسسة تشريعية منتخبة وفاعلة يمثل أحد العوامل التي سمحت باستمرار هذه الممارسات.

وأضاف أن وجود مجلس تشريعي منتخب كان من شأنه، على الأقل، فرض رقابة ومحاسبة على من يمارس الاعتقال السياسي، مؤكدًا أن غياب الرقابة البرلمانية، إلى جانب ضعف قدرة القضاء على إنفاذ الحقوق، يمثلان من أسباب استمرار الملف.

وبحسب خريشة، فإن استمرار اعتقال الفلسطينيين على خلفية الرأي أو النشاط السياسي يتعارض مع الحد الأدنى من الحريات التي يفترض أن يتمتع بها المواطن، خصوصًا في مرحلة يُفترض أن تشهد انفتاحًا سياسيًا استعدادًا للانتخابات.

انتخابات بلا حريات؟

وتضع هذه المعطيات سؤال الحريات في قلب النقاش حول الانتخابات المقبلة: كيف يمكن إجراء انتخابات تنافسية في بيئة سياسية تُسجل فيها اعتقالات واستدعاءات على خلفيات مرتبطة بالرأي والنشاط السياسي والمجتمعي؟

مدير مجموعة «محامون من أجل العدالة» مهند كراجة قال إن الزيادة في الاعتقالات والاستدعاءات لا يمكن الجزم بأنها مرتبطة مباشرة بالانتخابات، لكنها في المقابل تمثل «مؤشرًا سيئًا فيما يتعلق بالحريات»، مشددًا على أن الانتخابات تحتاج إلى مساحة واسعة للنشاط السياسي والدعاية والترشح وحرية التعبير.

وهنا تبدو القضية أكبر من أعداد المعتقلين أو الحالات المسجلة خلال أسابيع محددة؛ إذ إن جوهر المشكلة يتعلق بالبيئة السياسية والقانونية التي ستسبق العملية الانتخابية، وما إذا كانت القوى السياسية والمجتمعية ستتمكن من التحرك والتعبير عن مواقفها من دون الخوف من الاستدعاء أو الاعتقال.

مرسوم الحريات يعود إلى الواجهة

وتطالب «محامون من أجل العدالة» بإعادة تفعيل مرسوم الحريات الصادر عام 2021، والذي جاء في سياق التحضير للانتخابات التشريعية التي أُلغيت لاحقًا، وتؤكد أن ممارسة الحريات يجب ألا تكون مرتبطة فقط بتحديد موعد الانتخابات، بل أن تكون حقًا مستمرًا للمواطنين والنشطاء.

وفي هذا السياق، يحذر خريشة من أن استمرار الاعتقال السياسي قد يوسع حالة الانقسام الداخلي بدلًا من معالجتها، معتبرًا أن المراحل السابقة شهدت طرح قضية الاعتقالات السياسية خلال المفاوضات والاتصالات مع الجانبين الأميركي والإسرائيلي، لكن الملف ظل يعود إلى الواجهة نتيجة استمرار الخلافات السياسية الفلسطينية.

ويرى أن غياب المجلس التشريعي والرقابة البرلمانية أتاحا مساحة أكبر لاستمرار هذه الممارسات، داعيًا إلى وضع حد نهائي للاعتقال على خلفية الرأي والانتماء السياسي.

الحريات شرط للانتخابات لا ورقة انتخابية

ومع اقتراب الانتخابات، تبدو قضية الاعتقال السياسي أمام اختبار جديد. فنجاح أي عملية انتخابية لا يتوقف فقط على تحديد موعد الاقتراع أو إصدار القوانين الناظمة له، وإنما يرتبط كذلك بالقدرة على توفير بيئة تسمح للناخب والمرشح والقوى السياسية بممارسة حقوقهم بحرية.

ومن هذا المنظور، فإن استمرار الاعتقالات والاستدعاءات، حتى في الحالات التي لا يمكن إثبات ارتباطها المباشر بالانتخابات، يظل عاملًا مؤثرًا في مستوى الثقة بالعملية السياسية برمتها.

ويختصر خريشة موقفه بالدعوة إلى تحويل الاعتقال السياسي من ممارسة متكررة إلى فعل مُجرّم ومُحاسب عليه، مؤكدًا أن المواطن الفلسطيني «لم يعد يطيق أن يتم اعتقاله من أبناء شعبه أو يتم التضييق على الحريات العامة».

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest