
المركز الفلسطيني للإعلام
لم يحمل وقف إطلاق النار بالنسبة لآلاف العائلات في قطاع غزة نهايةً لمعاناتها، بل منحها هدنة مؤقتة وسط واقع لا يزال مثقلًا بالدمار والنزوح والخوف من عودة الحرب في أي لحظة. فبين خيام لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، ومراكز إيواء تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، تتكرر المطالب ذاتها: وقف دائم للحرب، وبدء إعادة الإعمار، وإدخال المساعدات، وتأمين مأوى يحفظ كرامة الناس.
ورغم تراجع حدة القصف، يؤكد سكان القطاع أن حياتهم لم تستعد إيقاعها الطبيعي، في ظل استمرار إغلاق المعابر، وشح الغذاء والدواء، وتواصل تدمير البنية التحتية، إلى جانب سيطرة جيش الاحتلال على مساحات واسعة من القطاع، واستمرار عمليات الهدم والتجريف في المناطق التي يمنع الفلسطينيون من الوصول إليها.
البحث عن مكان آمن
داخل خيمة نصبت على لسان ميناء الصيادين غرب مدينة غزة، تعيش مريم الطويل (50 عامًا) مع أفراد أسرتها السبعة، بعد رحلة نزوح قاسية تنقلت خلالها بين أكثر من منطقة منذ اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/تشرين الأول 2023. تقول إن الحياة داخل الخيمة أصبحت عبئًا يوميًا لا يحتمل، وإن أسرتها لم تعد تطلب سوى مأوى آمن يحفظ كرامتها إلى حين البدء بإعادة إعمار منزلها.
وتضيف: “نريد وقفًا حقيقيًا لإطلاق النار يكون بداية للعودة إلى الحياة، لا هدنة مؤقتة نخشى أن تنتهي في أي لحظة”. وتوضح أن غياب الخصوصية، وصعوبة الحصول على المياه الصالحة للشرب والكهرباء، وتدهور الأوضاع الصحية، يجعل البقاء في الخيام معاناة متواصلة.
حلم بسيط
وفي وسط مدينة غزة، تعيش رنا صابر (24 عامًا) مع زوجها وأطفالها داخل خيمة أقيمت بجوار مكب نفايات اليرموك، بعدما دمر الاحتلال منزلها في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع. وتصف حياتها بأنها “معركة يومية” في مكان يفتقر إلى أبسط مقومات العيش، مؤكدة أن الحصول على كرفان مؤقت أصبح حلمًا بسيطًا يمكن أن يخفف جزءًا من معاناة الأسرة إلى حين إعادة بناء منزلها.
وترى رنا أن الأولوية في هذه المرحلة تتمثل في إدخال الكرفانات ومواد البناء والآليات اللازمة لإزالة الركام، إلى جانب توفير الغذاء والدواء ومياه الشرب ومستلزمات النظافة، لأن آلاف الأسر لا تزال تعيش في ظروف إنسانية قاسية.
أما علاء الشرباصي، الذي فقد منزله في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، فيقول إن الهدنة لن تكون ذات قيمة ما لم تتحول إلى اتفاق دائم يوقف الحرب بشكل كامل، ويفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وانسحاب الاحتلال. ويضيف أن أطفاله يحتاجون قبل أي شيء إلى الشعور بالأمان، والعودة إلى مقاعد الدراسة، والحصول على الرعاية الصحية، فيما تحتاج الأسرة إلى منزل تستعيد فيه جزءًا من حياتها التي فقدتها خلال الحرب.
وتترافق هذه التطلعات مع مخاوف متزايدة بين السكان، في تنكر الاحتلال للاتفاق ومحاولته التراجع عنه وسط تهديدات متكررة باستئناف الهجمات العسكرية والاغتيالات، الأمر الذي يبدد شعور النازحين بالأمان ويجعل مستقبل الهدنة محفوفًا بالقلق.
وفي الوقت نفسه، يواصل جيش الاحتلال سيطرته على مساحات واسعة من قطاع غزة تُقدر بنحو 70% خلف ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، مع استمرار إطلاق النار على كل من يحاول الاقتراب من تلك المناطق، وتنفيذ عمليات نسف وتدمير للمباني المتبقية، ما يزيد من صعوبة عودة السكان إلى مناطقهم ويؤخر أي جهود حقيقية لإعادة الإعمار.
ويرى نازحون أن أي اتفاق لا يتضمن ضمانات واضحة تمنع تجدد الحرب، وتلزم الاحتلال بالانسحاب، وتفتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية ومواد البناء، سيبقى عاجزًا عن إنهاء معاناتهم. فبالنسبة لهم، لا تعني نهاية الحرب مجرد صمت المدافع، بل تعني العودة إلى منزل آمن، واستعادة حياة طبيعية، ومنح أطفالهم فرصة للعيش بعيدًا عن الخيام والخوف والانتظار.

