رفض نتنياهو لوثيقة مجلس السلام.. مناورة أم محاولة لإعادة المفاوضات للصفر؟

نتنياهو

المركز الفلسطيني للإعلام

أعاد إعلان رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض وثيقة “مجلس السلام” الخاصة بقطاع غزة، واشتراطه نزع سلاح المقاومة بالكامل قبل أي انسحاب لجيش الاحتلال، الجدل بشأن مستقبل المسار التفاوضي، وسط تقديرات بأن الخطوة تهدف إلى إعادة المفاوضات إلى نقطة الصفر وإطالة أمد الحرب، في وقت تشير فيه معطيات أميركية إلى أن واشنطن لا ترى في تصريحات نتنياهو نهاية لخريطة الطريق، وإنما جزءًا من حساباته السياسية الداخلية.

وتتضمن الوثيقة، التي تقوم على مبدأ التدرج والتزامن في التنفيذ، نحو 15 بندًا، من أبرزها تخزين السلاح الثقيل للمقاومة بأيدٍ فلسطينية، مقابل وقف شامل للعدوان، وانسحاب قوات الاحتلال، وفتح المعابر، وإدخال لجنة إدارية وقوات دولية ضمن مراحل مترابطة، بحيث يجري تنفيذ كل بند بالتوازي مع البنود الأخرى.

إلا أن نتنياهو أعلن رفض الوثيقة، مؤكدًا أن إسرائيل لن تنفذ أي انسحاب من قطاع غزة قبل “نزع سلاح حماس بالكامل”، بما يشمل جميع أنواع الأسلحة، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لتغيير جوهر الاتفاق، وتحويل بند السلاح من جزء من مسار متدرج ومتزامن إلى شرط مسبق يسبق أي انسحاب.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن رفض نتنياهو لا يوجه ضربة للوثيقة فحسب، بل يضع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام اختبار سياسي، باعتبار أن الخطة حظيت بدعم مباشر من واشنطن وترحيب دولي، بعد أن قطعت الفصائل الفلسطينية والوسطاء شوطًا في التفاوض عليها، بما في ذلك تقديم تنازلات في أكثر الملفات حساسية، وعلى رأسها ملف السلاح.

وأوضح عفيفة في تصريح صحفي أن جوهر الخلاف لا يتعلق بصياغة بند بعينه، وإنما بإعادة ترتيب منطق الاتفاق بالكامل، محذرًا من أن إعادة فتح الوثيقة للتفاوض تعني العودة من مرحلة تنفيذ الاتفاق إلى مرحلة التفاوض عليه من جديد، بما يمنح الاحتلال فرصة إضافية لكسب الوقت ورفع سقف مطالبه.

ورغم الموقف الإسرائيلي المعلن، كشفت تسريبات أميركية عن وجود قراءة مختلفة داخل البيت الأبيض. فقد نقل مراسل موقع “أكسيوس” باراك رافيد عن مسؤول أميركي رفيع أن الإدارة الأميركية “غير منزعجة” من تصريحات نتنياهو، وتعتبرها جزءًا من متطلبات الموسم الانتخابي في إسرائيل، ما دام يواصل تنفيذ التفاهمات التي تطلبها واشنطن، ولا سيما الحد من العمليات العسكرية في قطاع غزة.

وبحسب المسؤول الأميركي، فإن نتنياهو أبلغ مبعوث الرئيس ترامب، جاريد كوشنر، خلال اتصال هاتفي الأسبوع الماضي، استعداده لمنح الخطة فرصة رغم تشككه فيها، مع التعهد بكبح الهجمات العسكرية لإفساح المجال أمام بدء تنفيذ الترتيبات الخاصة بخطة غزة.

كما أوضح المسؤول أن الجيش الإسرائيلي لم ينفذ منذ ذلك الحين هجمات واسعة على القطاع، وبدأ انسحابًا تدريجيًا نحو ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، بالتزامن مع استمرار الضغوط الأميركية والوساطات لدفع تنفيذ بقية مراحل الاتفاق.

وفي السياق ذاته، أكد المدير التنفيذي لـ”مجلس السلام”، نيكولاي ملادينوف، أن المحادثات بشأن خريطة الطريق لا تزال مستمرة، معربًا عن أمله في التوصل إلى نتائج إيجابية.

 وأوضح أن الخطة تنص على التزام جيش الاحتلال بعدم تجاوز “الخط الأصفر” أو استهداف المدنيين، على أن يتواصل الانسحاب تدريجيًا بعد التحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية، مشددًا في الوقت نفسه على أن الخطة لا تمنع إسرائيل من التحرك إذا ادعت وجود تهديد لقواتها.

كما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن المؤسسة الأمنية لم تتلق حتى الآن أي تعليمات بتجميد الانتقال إلى المرحلة التالية، رغم إعلان نتنياهو رفضه الرسمي للوثيقة، في حين تتواصل الاستعدادات لإنشاء أول قاعدة للقوة متعددة الجنسيات في رفح، في مؤشر على أن الإجراءات التنفيذية للخطة لا تزال مستمرة.

من جانبه، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج أن نتنياهو يحاول نقل الاتفاق من صيغة تلزمه بخطوات سياسية وأمنية متبادلة إلى صيغة تجعل نزع سلاح المقاومة شرطًا سابقًا لأي انسحاب، وهو تحول جوهري يسمح للاحتلال بتأجيل استحقاقات الاتفاق إلى أجل غير محدد.

وأوضح في تصريح صحفي أن رفض نتنياهو يأتي في إطار صراع حول الجهة التي ستحدد قواعد المرحلة المقبلة، لافتًا إلى أن إنشاء “مجلس السلام” جاء أساسًا كمحاولة للالتفاف على المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، التي باتت تتبنى مواقف أكثر انتقادًا للاحتلال.

وأضاف أن المجلس، رغم ما يراه انحيازًا واضحًا لإسرائيل، كان من المفترض أن يقدم نفسه باعتباره إطارًا أكثر اعتدالًا، إلا أن نتنياهو يريد مؤسسة تحمل صفة دولية لكنها تتحرك وفق أجندة حكومته، دون أن تتحول إلى جهة تفرض عليها التزامات سياسية أو أمنية.

ويربط الحاج موقف نتنياهو باعتبارات السياسة الداخلية، موضحًا أن أي اتفاق سياسي، مهما كانت طبيعته، قد يفرض ثمنًا على حكومة اليمين، في ظل خشية مكونات الائتلاف الحاكم من أن تؤدي أي تسوية جدية إلى تفككه أو إضعافه انتخابيًا.

وأشار إلى أن إبقاء الملف في دائرة التفاوض يمنح حكومة الاحتلال هامشًا أوسع للمناورة، ويخفف الضغوط الدولية والإقليمية، معتبرًا أن شراء الوقت ليس نتيجة جانبية للمفاوضات، وإنما جزء من الاستراتيجية الإسرائيلية.

وأضاف أن موافقة الاحتلال على أي جدول زمني لا تعني بالضرورة قبوله بالمسار السياسي الذي سيليه، إذ يمكن لنتنياهو إعادة تفسير شروط التنفيذ في أي مرحلة، خاصة إذا ظل بند نزع السلاح مفتوحًا وقابلًا للتأويل، ما يستوجب التمييز بين القبول بإطار زمني والقبول بنتائجه السياسية.

وحذر الحاج من أن أخطر نتائج هذا المسار تتمثل في إبقاء قطاع غزة في حالة معلقة؛ فلا انسحاب كامل، ولا تسوية سياسية، ولا عودة للحياة الطبيعية، مع استمرار العدوان العسكري والضغوط السياسية وإغلاق المعابر.

وأوضح أن الغزيين سيدفعون ثمن هذا التعطيل، في وقت تواصل فيه حكومة نتنياهو استخدام المفاوضات غطاءً سياسيًا لإدارة الحرب.

وبحسب الحاج، فإن المشهد يتجه حاليًا نحو ثلاثة سيناريوهات رئيسية: التوصل إلى اتفاق، أو استمرار الوضع القائم، أو العودة إلى الحرب. ويرى أن اختيار أي من هذه السيناريوهات لا تحكمه الاعتبارات الأمنية فقط، بل يرتبط أيضًا بالحسابات الانتخابية لنتنياهو وائتلافه، إذ قد يمثل الاتفاق خسارة لمعسكر اليمين، بينما يمنح استمرار الوضع الراهن الحكومة فرصة لمواصلة المناورة، في حين تبقى العودة إلى الحرب خيارًا يمكن اللجوء إليه إذا احتاجت الحكومة إلى تعبئة قاعدتها اليمينية المتشددة.

ويخلص مراقبون إلى أن التباين الظاهر بين الخطاب الإسرائيلي العلني والموقف الأميركي الذي لا يزال يتحدث عن استمرار تنفيذ خريطة الطريق، يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات عدة، ويضع “مجلس السلام” وإدارة ترامب أمام اختبار حقيقي، يتمثل في قدرتهما على إلزام حكومة الاحتلال بما جرى التوافق عليه، أو السماح بإعادة صياغة الاتفاق وفق الشروط التي يفرضها نتنياهو.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest