
المركز الفلسطيني للإعلام
في أزقة سوق الحبوب التاريخي بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، لا تبدو عودة التجار إلى متاجرهم مجرد محاولة لاستئناف البيع والشراء، بل معركة يومية لاستعادة الحياة من بين الركام، وحماية ذاكرة مكان تناقلته الأجيال على مدى أكثر من قرن.
هنا، حيث ورث التجار المهنة عن آبائهم وأجدادهم، وحيث تختزن الجدران حكايات الأسواق القديمة وتفاصيل الحياة الفلسطينية، يحاول أصحاب المحال ترميم ما دمرته حرب الإبادة الإسرائيلية، وإعادة فتح أبواب متاجرهم ولو بإمكانات محدودة وحركة تجارية لا تزال ضعيفة.
وبين المحال المتضررة وآثار الدمار التي لا تزال شاهدة على قسوة الحرب، يستعيد سوق الحبوب بعضا من حركته، مع عودة عدد من الباعة إلى أماكنهم، متمسكين بحقهم في البقاء والعمل، ومؤمنين بأن ترميم السوق وإحياءه جزء من استعادة الحياة في غزة، التي أنهكتها الحرب ولم تنجح في انتزاع ارتباط أهلها بأرضهم وأرزاقهم وذاكرتهم.
سوق يتوارثه التجار منذ العهد العثماني
يستعيد التاجر ناهض بربخ، الذي أمضى نحو 40 عاما في سوق الحبوب، حكاية ارتباطه بالمكان، مؤكدا أن علاقته به امتداد لإرث عائلي توارثته الأجيال، من الجد إلى الأب ثم الأبناء.
ويقول بربخ إن نحو 120 عاما من تاريخ عائلته ارتبطت بالسوق، الذي يعد من أقدم أسواق قطاع غزة، مشيرا إلى أن ما يميزه ليس نشاطه التجاري فحسب، وإنما موقعه المرتبط بالقلعة التاريخية القديمة، التي يعود تاريخها إلى مئات السنين.
ويستحضر التاجر صورة السوق قبل الحرب، حين كان يعج بالتجار والبضائع والحركة التجارية، وتنبض أزقته بالحياة على مدار اليوم، مؤكدا أن المكان شهد حروبا وأحداثا عديدة على امتداد تاريخه، لكنه لم يتعرض في السابق لدمار يماثل ما حل به خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
ويصف بربخ ما أصاب السوق بأنه كارثة كبرى ودمار شامل، قائلا إن آثار الخراب تبدو واضحة في المحال والمباني، وإن المكان تحول إلى سوق شبه مهجور بعدما كان عامرا بالتجار والبضائع ومختلف أشكال النشاط الاقتصادي.
ورغم قسوة المشهد، يحرص بربخ وزملاؤه على إعادة فتح متاجرهم وترميم ما يمكن ترميمه، في محاولة لاستعادة الحركة تدريجيا، بالتزامن مع عودة بعض السكان إلى مناطقهم، لا سيما من مناطق المواصي وغيرها.
لكن الطريق إلى التعافي لا يزال طويلا، إذ يؤكد أن الحركة التجارية ما زالت ضعيفة، في ظل المخاوف الأمنية واستمرار إطلاق النار في المنطقة، حتى خلال ساعات الصباح، الأمر الذي ينعكس على حركة المواطنين وقدرتهم على الوصول إلى السوق والتسوق فيه.
ذاكرة أكثر من مئة وعشرين عاما تواجه الدمار
بدوره، يؤكد التاجر محمد البيوك أن سوق الحبوب يعود في تاريخه إلى أكثر من 120 عاما، وتحديدا إلى العهد العثماني، مشددا على أن ما تعرض له خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة يفوق ما شهده في حروب سابقة.
ويقول البيوك، الذي يبلغ من العمر 45 عاما، إنه ارتبط بالسوق منذ طفولته، إذ بدأ العمل فيه مع والده وهو في الخامسة من عمره، قبل أن يواصل مسيرته المهنية في المكان نفسه، الذي شكل جزءا أساسيا من حياته وذاكرته العائلية.
ويستعيد التاجر بداياته في العمل مع والده في تجارة اللحوم، ولا سيما لحوم الأغنام والعجول، موضحا أن سنوات طويلة من حياته ارتبطت بهذا السوق، الذي لم يكن مجرد مكان لكسب الرزق، بل مساحة للعمل العائلي الذي تناقلته الأجيال.
غير أن الحرب الأخيرة قلبت تفاصيل هذه الحياة رأسا على عقب، بعدما طالت الأضرار المحال التجارية والمنازل، وألحقت دمارا واسعا بمختلف أجزاء السوق.
ويشدد البيوك على أن السوق تعرض لأضرار كبيرة نتيجة القصف وإطلاق النار، لافتا إلى أن الحروب السابقة، على كثرتها، لم تترك آثارا بحجم الدمار الذي خلفته الحرب الأخيرة.
ويقول إن الدمار لم يقتصر على المتاجر، بل امتد إلى المنازل وكل ما يرتبط بحياة التجار اليومية، في مشهد يعكس حجم الخسائر التي تكبدها السكان وأصحاب الأعمال، الذين وجدوا أنفسهم أمام تحدي إعادة بناء ما فقدوه، والبدء من جديد وسط ظروف معيشية واقتصادية بالغة الصعوبة.

ترميم المتاجر.. مقاومة للنسيان وإصرار على الحياة
لا يقتصر ما يجري في سوق الحبوب على استئناف نشاط تجاري توقف بفعل الحرب، بل يحمل دلالة إنسانية تتصل بتمسك الغزيين بأماكنهم، ورفضهم أن يتحول الدمار إلى نهاية لحكاياتهم العائلية والمهنية.
فالتجار الذين أمضوا عشرات السنين في السوق، وورثوا محالهم ومهنهم عن آبائهم وأجدادهم، يحاولون اليوم إعادة ترميم المكان بما تتيحه إمكاناتهم، وإعادة فتح أبواب المتاجر تدريجيا، رغم ضعف الإقبال واستمرار المخاوف الأمنية.
وتحمل عودة هؤلاء الباعة إلى السوق معنى يتجاوز البيع والشراء؛ فكل متجر يستعيد نشاطه يمثل محاولة لإنقاذ جزء من ذاكرة المدينة، وكل جدار يعاد ترميمه يشكل خطوة نحو استعادة ملامح الحياة التي سعت الحرب إلى محوها.
ومع ذلك، لا تزال عودة السوق إلى سابق عهده مرتبطة بقدرة التجار على إصلاح الأضرار، واستعادة الحركة في أزقته، وعودة السكان بأعداد أكبر، وتوفر الظروف التي تسمح لهم بالعمل دون خوف من القصف وإطلاق النار.
وبين ماضٍ يمتد لأكثر من قرن، وحاضر مثقل بالدمار، يواصل سوق الحبوب في خان يونس رحلته الصعبة نحو التعافي، مستندا إلى إصرار تجاره على البقاء في المكان الذي عرفوه منذ طفولتهم، وشهد كفاح آبائهم وأجدادهم.
قد تتصدع الجدران، وتتوقف الأسواق عن الحركة، وتتبعثر البضائع تحت الركام، لكن ذاكرة المكان لا تختفي بسهولة. وفي خان يونس، يفتح التجار أبواب متاجرهم من جديد، لا لاستعادة أرزاقهم فحسب، بل ليؤكدوا أن سوق الحبوب سيظل حيا ما دامت في غزة حياة، وأن إرادة أهلها في التمسك بأرضهم ومهنهم وتاريخهم أقوى من محاولات تحويل مدينتهم إلى ركام.

