“كرة القدم وسط الركام”.. صورة فلسطينية تُحذف من مهرجان دوفيل وتثير عاصفة في فرنسا

المركز الفلسطيني للإعلام

تحولت صورة فوتوغرافية التقطها المصور الفلسطيني جهاد الشرافي في قطاع غزة إلى محور جدل سياسي وثقافي واسع في فرنسا، بعدما أُزيلت بشكل مفاجئ من معرض مهرجان «دوفيل» للصور الرياضية، واستُبدلت بصورة لراكبي دراجات، في واقعة أثارت تساؤلات حول حرية الصحافة والتصوير، والضغوط السياسية المرتبطة بالحرب على غزة.

الصورة، التي التقطها الشرافي، مصور وكالة «أسوشيتد برس»، توثق مباراة لكرة القدم بين شبان فلسطينيين في ملعب أُعيد تأهيله وسط مدينة غزة، بينما تحيط به من كل جانب مبانٍ مدمرة جراء الحرب.

كان من المقرر أن تبقى الصورة معروضة ضمن فعاليات المهرجان حتى السادس من سبتمبر/أيلول، باعتبارها واحدة من الصور التي توثق العلاقة بين الرياضة والحياة اليومية. لكنها اختفت فجأة من مكانها، وحلت محلها صورة لراكبي دراجات، من دون إعلان واضح في البداية عن أسباب هذا التغيير.

وبحسب ما أوردته صحيفة «لومانيتيه» الفرنسية، فإن إزالة الصورة جاءت بعد ضغوط مارسها داعمون لإسرائيل، في حين بررت بلدية دوفيل القرار بالرغبة في تجنب إثارة الجدل وعدم جرح مشاعر أي طرف. وأقرت البلدية بأنها تلقت طلبات بشأن الصورة، لكنها لم تكشف بوضوح عن الجهات التي تقدمت بها.

صورة لا تُظهر الحرب.. بل الحياة

المفارقة التي جعلت القضية أكثر إثارة أن الصورة لا تُظهر قصفًا أو إطلاق نار أو مشهدًا عسكريًا، وإنما مجموعة من الشبان يمارسون لعبة كرة القدم.

غير أن الركام الذي يحيط بالملعب يجعل المشهد أكثر من مجرد لقطة رياضية. فاللاعبون يظهرون وهم يحاولون ممارسة حياتهم في مكان دمرته الحرب، وكأن المباراة تمثل محاولة للتمسك بشيء طبيعي وسط واقع استثنائي وقاسٍ.

ومن هنا، اكتسبت الصورة دلالة تتجاوز الرياضة؛ فهي توثق إرادة الحياة لدى الفلسطينيين، وتُظهر كيف يحاول الشباب استعادة مساحة للحياة واللعب رغم الدمار المحيط بهم.

كيف اختفت الصورة؟

كشف سيلفان لارشيه، المسؤول المحلي في الحزب الاشتراكي الفرنسي، اختفاء الصورة بعدما لاحظه خلال زيارته للمعرض، متسائلًا عن الأسباب التي دفعت إلى إزالة صورة لا توثق سوى مباراة لكرة القدم وسط الدمار.

ومع اتساع الجدل، تبين أن ناشطين مؤيدين لإسرائيل كانوا قد شنوا حملة ضد عرض الصورة، واعتبروا وجودها في المهرجان نوعًا من الدعاية للفلسطينيين.

وكان الناشط مايك كريف من أبرز المشاركين في الحملة ضد الصورة، قبل أن يحتفي بإزالتها ويعتبرها نتيجة لجهوده. ونشر كريف تعليقًا ساخرًا حول الجدل الذي أثاره الحذف، متفاخرًا بحجم التفاعل مع القضية، كما وصف نفسه بأنه «صهيوني متطرف جدًا».

هذه التصريحات زادت من حدة الانتقادات، خصوصًا أنها جاءت بالتزامن مع اختفاء الصورة من المعرض.

ورغم عدم صدور إعلان رسمي يثبت بصورة مباشرة أن ضغوطًا إسرائيلية كانت السبب الحاسم وراء قرار الإزالة، فإن تزامن الحملة مع اختفاء الصورة واحتفاء منتقديها بالقرار أثار شكوكًا وانتقادات واسعة في فرنسا وخارجها.

انتقادات سياسية وحقوقية

لم تتوقف تداعيات القضية عند حدود المهرجان، بل انتقلت إلى الأوساط السياسية الأوروبية.

ووجهت النائبة في البرلمان الأوروبي إيما فورو رسالة إلى منظمي المهرجان وبلدية دوفيل، انتقدت فيها ما اعتبرته محاولة لإخفاء حضور الفلسطينيين حتى في المجال الفني والثقافي.

كما انتقد النائب السابق في البرلمان الأوروبي ميك والاس القرار، معتبرًا أن ما حدث يعكس تضييقًا على إمكانية عرض الرواية الفلسطينية في أوروبا.

وفي الولايات المتحدة، سخرت المرشحة الرئاسية السابقة جيل ستاين من الواقعة، معتبرة أن إزالة الصورة تطرح تساؤلات جدية حول حرية الصحافة والتعبير.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، انطلقت حملة مضادة لإعادة نشر الصورة على نطاق واسع، شارك فيها صحفيون ومدونون وناشطون من دول مختلفة، في محاولة لمنع اختفائها من المجال العام.

عندما تصبح الصورة أكثر حضورًا بعد حذفها

المفارقة أن الصورة التي أزيلت من جدار المعرض أصبحت بعد ذلك أكثر انتشارًا.

فبدل أن تبقى واحدة من عشرات الصور المعروضة أمام زوار المهرجان، تحولت إلى مادة لنقاش واسع حول غزة، والرقابة، وحرية التعبير، ودور الصحافة في توثيق الحروب.

وقالت الصحفية ليلى حامد إن إزالة الصورة تكشف حساسية متزايدة تجاه أي مشهد يوثق الحياة الفلسطينية في غزة، فيما انتقد الأكاديمي زاكاري فوستر ما اعتبره ازدواجية في التعامل مع الصور التي توثق معاناة الفلسطينيين.

كما ذهب ناشطون إلى التحذير من أن انتشار صورة الملعب قد يجعل الموقع عرضة للاستهداف، في إشارة إلى المخاوف التي يعيشها الفلسطينيون في غزة بشأن المنشآت والأماكن التي بقيت قائمة وسط الدمار.

رياضة دفعت ثمن الحرب

ولا يمكن فصل صورة الشرافي عن الواقع الذي تعيشه الرياضة الفلسطينية منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

فالمنشآت الرياضية تعرضت لدمار واسع، فيما دفع الرياضيون الفلسطينيون أيضًا ثمنًا بشريًا كبيرًا. ووفق تقديرات اللجنة الأولمبية الفلسطينية، قُتل نحو 400 رياضي فلسطيني في الحرب المستمرة على غزة والضفة الغربية، إلى جانب تدمير عدد كبير من المنشآت الرياضية وتوقف النشاط الرياضي في القطاع.

لهذا تبدو صورة الشرافي أبعد من كونها لقطة لمباراة كرة قدم. إنها صورة لشبان يحاولون ممارسة الرياضة في مساحة محاطة بالركام، وتوثيق لمحاولة استعادة الحياة في مكان أنهكته الحرب.

وبينما قالت بلدية دوفيل إنها أرادت تجنب الجدل، فإن إزالة الصورة صنعت الجدل الأكبر. فالصورة التي كان يفترض أن تتحدث عن الرياضة، أصبحت تتحدث عن غزة، والحرب، وحرية الصحافة، وحدود الرقابة، وعن الخوف من أن تتحول حتى صورة لأطفال وشبان يلعبون كرة القدم وسط الركام إلى مادة تخضع للحسابات السياسية.

وفي النهاية، لم تختفِ الصورة؛ بل خرجت من جدار المعرض إلى الفضاء العام، وأصبحت قصتها جزءًا من النقاش حول من يملك حق رواية ما يحدث في غزة، وكيف يمكن لصورة واحدة أن تكشف ما قد تحاول بعض الجهات إخفاءه.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest