
المركز الفلسطيني للإعلام
وسط ركام الحرب وضيق المساحات وانعدام أبسط مقومات العمل الإعلامي، لم تجد الصحفية ومقدمة البرامج تالا درويش سوى ألواح خشبية كانت تحمل صناديق المساعدات، لتصنع منها استوديو صغيرًا في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، وتواصل من داخله مهمة باتت أكثر قسوة وخطورة منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية.
فمن مكان متواضع شيدته بجهد شخصي، تحاول درويش أن تستعيد مساحة للعمل والكتابة والتصوير، وأن تفتح نافذة جديدة لنقل حكايات الفلسطينيين الناجين من حرب الإبادة، الذين لم تصل إليهم الكاميرات، بعدما حولت الحرب حياة الصحفيين في غزة إلى رحلة يومية بين النزوح والخطر وفقدان الأحبة وملاحقة الخبر وسط الدمار.

استوديو من خشب المساعدات
لم يكن الاستوديو الذي أنشأته تالا درويش مشروعًا مهنيًا تقليديًا، بل محاولة للتغلب على واقع فرضته الحرب على الصحفيين والعاملين في قطاع الإعلام.
تقول درويش إنها استعانت بأخشاب “المشاطيح” التي تصل عليها المساعدات إلى غزة، رغم ارتفاع ثمنها، لتشييد مساحة صغيرة تستطيع من خلالها تصوير برامجها ومتابعة عملها الإعلامي.
وقبل ذلك، كانت تصور في خيمة بمدينة خانيونس، غير أن فقدانها تلك المساحة دفعها إلى البحث عن بديل أكثر استقرارًا، خاصة مع صعوبة التنقل بين جنوب قطاع غزة وشماله ونقل المعدات لمسافات طويلة في ظروف الحرب.
وتوضح أن فكرة الاستوديو جاءت من رغبتها في تحمل مشقة إنشائه اليوم، أملاً في توفير مساحة تساعدها على الاستمرار في عملها لاحقًا، بعدما أصبحت مساحات العمل الآمنة والهادئة شبه معدومة في قطاع أنهكته الحرب والنزوح.

ما وراء الكاميرا
لا تنظر درويش إلى الاستوديو باعتباره مكانًا لتصوير البرامج فحسب، بل تراه مساحة لإنقاذ ما تبقى من قدرتها على الاستمرار، ومكانًا تستطيع فيه الكتابة والعمل بعيدًا عن ضجيج الحرب الذي اقتحم تفاصيل الحياة كافة.
وتقول إنها مرت شخصيًا بتجارب قاسية دفعتها في بعض اللحظات إلى التفكير في التوقف عن العمل، إلا أن ما شهدته من مآسٍ جعلها أكثر تمسكًا بالعودة إلى الكاميرا.
وتضيف أن هدفها يتمثل في إيصال تجارب الفلسطينيين الذين لم تصورهم الكاميرات، ومنح مساحة لمن عاشوا المجاعة والفقدان والنزوح والتجارب القاسية خلال الحرب، حتى تصل قصصهم إلى العالم الخارجي.
وبينما تحاول غزة استعادة بعض مظاهر الحياة، ترى درويش أن ما يظهر من قدرة السكان على التكيف لا يمثل سوى جزء ضئيل من الواقع الحقيقي، مؤكدة أن خلف مشاهد العمل والأسواق والحياة اليومية معاناة عميقة ما تزال تحاصر الفلسطينيين.

الصحفي.. شاهد وناجٍ في آن واحد
خلال حرب الإبادة، لم يكن الصحفي الفلسطيني مجرد ناقل للخبر، بل تحول إلى شاهد على المجازر وناجٍ منها في الوقت نفسه، يحمل الكاميرا بينما يعيش التجربة ذاتها التي يوثقها.
فقد عمل الصحفيون في غزة وسط القصف والنزوح وفقدان المنازل والمكاتب والمعدات، واضطر كثيرون إلى تحويل الخيام ومراكز الإيواء والشوارع إلى غرف تحرير واستوديوهات مؤقتة، في محاولة لمواصلة نقل ما يجري إلى العالم.
واستشهد أكثر من 260 صحفيًا وعاملًا في المجال الإعلامي منذ بدء الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، فيما وثقت مؤسسات صحفية وحقوقية آلاف الانتهاكات بحق الصحفيين، شملت القتل والإصابة والاعتقال وتدمير المنازل والمكاتب والمؤسسات الإعلامية.
كما فقدت أعداد كبيرة من الصحفيين منازلها أو تعرضت للنزوح القسري، في واقع جعل الصحفي يبحث أحيانًا عن مأوى لعائلته بالتوازي مع بحثه عن مكان يستطيع منه بث الحقيقة.

صوت غزة إلى العالم
ورغم الخطر والخسارات، واصل الصحفيون الفلسطينيون أداء دورهم في توثيق حرب الإبادة، ونقل صور الدمار وشهادات الناجين والمجازر والمعاناة الإنسانية إلى العالم، في وقت واجهت فيه التغطية الإعلامية قيودًا واسعة وصعوبات غير مسبوقة.
وتجسد تجربة تالا درويش جانبًا من هذا الدور، إذ لم تنتظر عودة الاستوديوهات أو توفر المعدات أو انتهاء الحرب، بل صنعت مساحة عمل من خشب صناديق المساعدات، لتعيد تشغيل الكاميرا وتبحث عن وجوه وحكايات لم تجد طريقها بعد إلى الشاشات.
ومن بين ألواح خشبية حملت يومًا مساعدات للنازحين، صنعت الصحفية الغزية نافذتها الخاصة على العالم، مؤكدة أن الحرب، مهما ضيقت المساحات، لم تنجح في إسكات رواية الفلسطينيين، وأن خلف كل كاميرا في غزة صحفيًا يحاول النجاة، وفي الوقت نفسه يصر على أن تبقى الحقيقة حية.

