نجت من النيران.. فابتلعت الحرب أمها وتركتها يتيمة في غزة

نجت من النيران.. فابتلعت الحرب أمها وتركتها يتيمة في غزة

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تكن صرخة الطفلة مريم أحمد غانم سوى استغاثة صغيرة في مواجهة الموت الذي حاصرها من كل جانب، بعدما حوّل قصف إسرائيلي شقة سكنية في حي الرمال غربي مدينة غزة إلى كتلة من اللهب، لتخرج من بين النيران مثقلة بالحروق والجراح، وقد فقدت أمها، بعدما سبق أن فقدت والدها مع بداية الحرب.

وبينما كانت ألسنة اللهب تلتهم المكان، دوّت صرخة الشاب علي الجعفراوي: «يا الله.. في أطفال بيصرخوا عايشين»، لتبدأ لحظات استثنائية من سباق مع الموت، انتهت بانتشال مريم من قلب الحريق، في مشهد تختلط فيه نجاة الجسد بفاجعة فقدان الأسرة.

من بين النيران إلى مواجهة الفقد

في حي الرمال، غربي مدينة غزة، لم يمضِ الليل على نحو اعتيادي؛ إذ بدّد قصف عنيف استهدف شقة سكنية سكون المكان، وسرعان ما تحولت النيران إلى جحيم التهم محتويات المنزل، فيما تصاعد الدخان الكثيف واختلطت أصوات الاستغاثة بأنين المصابين.

وسط هذا المشهد، ارتقت الأم ريم عوض شهيدة، بينما ظلت طفلتها مريم محاصرة بين ألسنة اللهب، تتشبث بالحياة رغم الخطر الذي أحاط بها من كل اتجاه.

وعلى وقع الصرخات، سارع شبان، في مقدمتهم علي الجعفراوي، إلى محاولة الوصول إلى الطفلة وانتشالها من بين النيران، في سباق مع الوقت قبل أن يلتهمها الحريق.

وقال شهود عيان للمركز الفلسطيني للإعلام إن اللحظات كانت تحبس الأنفاس، وإن شدة الحريق كانت هائلة، لولا أن شبانًا سمعوا أنين الطفلة وسارعوا إلى إنقاذها.

وتمكن المنقذون من إخراج مريم من قلب الحريق، لكنها نجت بجسد يحمل آثار حروق وجراح بليغة، لتبدأ رحلة أخرى من الألم، لا تتعلق بالإصابة وحدها، بل بالفقد الذي تركها وحيدة في مواجهة واقع قاسٍ.

نجت من الموت.. لكنها فقدت أسرتها

لم تكن نجاة مريم نهاية المأساة؛ فالطفلة التي أفلتت من ألسنة اللهب فتحت عينيها على فاجعة فقدان أقرب الناس إليها. فقد استشهد والدها مع بداية الحرب، قبل أن تفقد أمها في القصف الأخير، لتصبح يتيمة الأب والأم معًا.

وقال أحد العاملين في الدفاع المدني إن إنقاذ الطفلة جاء بعد لحظات بالغة الخطورة، مشيرًا إلى أن فرق الإنقاذ تشاهد مرارًا أطفالًا ومدنيين يحترقون أمام الكاميرات، في ظل استمرار الهجمات وما تخلّفه من مشاهد قاسية.

وأضاف أن مريم خرجت إلى الحياة بفضل الله أولًا، ثم جهود الذين سارعوا إلى إنقاذها من الحريق.

وتختصر حكاية الطفلة جانبًا من المأساة الإنسانية التي يعيشها أطفال قطاع غزة، حيث لا تقتصر آثار القصف على الإصابات الجسدية والدمار، بل تمتد إلى تفكيك الأسر وفقدان الوالدين، وترك الأطفال أمام مستقبل غامض، في ظل ظروف معيشية وصحية شديدة القسوة.

جراح مفتوحة وسط انهيار القطاع الصحي

لا تنتهي معاناة الناجين من القصف عند انتشالهم من تحت الأنقاض أو إخراجهم من المباني المحترقة، إذ يواجه المصابون، ولا سيما أصحاب الحروق الواسعة والجراح المعقدة، تحديات مضاعفة في ظل تراجع قدرة المنظومة الصحية في غزة على توفير العلاج اللازم.

وبحسب تقارير رسمية، فإن نقص المستلزمات الطبية والمضادات الحيوية، المرتبط بإغلاق المعابر والقيود المفروضة على دخول الإمدادات، يزيد المخاطر التي تهدد حياة المصابين، خصوصًا من يعانون حروقًا بالغة تتجاوز نسبتها 50% من مساحة الجسم.

وتحتاج هذه الحالات إلى رعاية متخصصة ومستمرة، وإمكانات علاجية قد لا تتوافر داخل القطاع، الأمر الذي يجعل إتاحة العلاج والإجلاء الطبي مسألة حاسمة لإنقاذ حياة كثير من الجرحى.

وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن نحو 42 ألف مصاب في القطاع يعانون إصابات جسيمة ومستدامة، تشمل البتر والحروق البالغة، وتتطلب برامج تأهيل طويلة الأمد.

مريم.. حكاية طفل في مواجهة حرب لا ترحم

ليست مأساة مريم قصة منفردة في قطاع غزة، بل صورة من معاناة آلاف الأطفال والمدنيين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة القصف والحرائق وفقدان أفراد أسرهم، فيما تتواصل تداعيات الحرب على حياتهم ومستقبلهم.

وفي الوقت الذي نُقلت فيه مشاهد معاناة المدنيين عبر وسائل الإعلام ومنصات البث المباشر، بقيت احتياجات الضحايا أكبر من قدرة الإمكانات المتاحة على الاستجابة، وسط استمرار المخاطر التي تحيط بالسكان وتفاقم الأزمة الإنسانية والصحية.

اليوم، تحمل مريم آثار النيران على جسدها، ووجع الفقد في حياتها؛ فقد نجت من الموت الذي حاصرها داخل المنزل، لكنها خسرت أمها بعدما سبق أن خسرت أباها، لتصبح حكايتها شهادة جديدة على الثمن الباهظ الذي يدفعه أطفال غزة جراء الحرب.

وبينما تحتاج الطفلة إلى العلاج والرعاية والاحتضان، تبقى قصتها تذكيرًا بأن إنقاذ الحياة لا يكتمل بمجرد إخراج المصابين من تحت الأنقاض أو من بين ألسنة اللهب، بل يتطلب أيضًا توفير العلاج اللازم لهم، وحماية الأطفال، وضمان حقهم في حياة آمنة بعد أن سلبتهم الحرب أسرهم وطمأنينتهم.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest