221 حاجزا للاحتلال في الخليل تقطّع الحياة وتراكم الغضب

حواجز الاحتلال

المركز الفلسطيني للإعلام

في الضفة الغربية، لا يبدأ يوم الفلسطيني من باب بيته بل من الحاجز الإسرائيلي. ساعات تهدر في الطوابير، ومريض ينتظر الوصول إلى المستشفى، وطالب قد يفوته امتحانه، وعامل يخسر يومه، وتاجر تتعطل بضاعته على الطريق. ومع تكرار هذه التفاصيل يوماً بعد يوم، يتحول الإذلال الصغير إلى شعور ثقيل بالقهر، ويتراكم الغضب في مدن وقرى محاصرة بالمئات من الحواجز والبوابات. في الخليل، حيث تتركز أكبر كثافة من هذه الحواجز، تبدو الحياة اليومية سلسلة من الإغلاقات التي تتحكم في الوقت والرزق والتنقل.

هجوم فرش الهوى يعيد الحواجز إلى الواجهة

أعادت العملية الفدائية على حاجز الاحتلال عند المدخل الشمالي الغربي للخليل، في منطقة فرش الهوى، تسليط الضوء على منظومة الحواجز في الضفة الغربية. فقد شهد الحاجز عملية إطلاق نار أدت إلى مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، وأغلق بعدها الاحتلال جميع الحواجز على مداخل المدينة.

منظومة تتسع عاماً بعد عام

بحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، يبلغ عدد الحواجز والعوائق الإسرائيلية في الضفة نحو 942، تقطع 221 منها أوصال محافظة الخليل، كبرى المحافظات مساحةً وسكاناً. وحتى 25 سبتمبر/أيلول الماضي، كان 824 منها حواجز ونقاط إغلاق ثابتة.

وتقام هذه الحواجز عند أغلب مداخل المدن والبلدات والقرى وعلى الطرق الرابطة بينها، وتتخذ أشكالاً متعددة، من حواجز عسكرية ثابتة يتمركز فيها الجنود، إلى بوابات حديدية يبقى معظمها مغلقاً ويفتح بعضها لساعات محدودة، فضلاً عن السواتر والعوائق الأسمنتية والإغلاقات والخنادق الترابية.

وفي العادة تقيم قوات الاحتلال هذه الحواجز، غير أن مستوطنين لوحظ مؤخراً أنهم يضعون حواجز ترابية بالجرافات وبوابات حديدية في بعض المناطق، كما جرى في بلدتي أم صفا وكفر نعمة قرب رام الله، بهدف منع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم.

أما مسار الأعداد فيكشف اتجاهاً تصاعدياً، وفق ما تنقله الهيئة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا). ففي عام 2003، في ذروة الانتفاضة الثانية، بلغ العدد 757 حاجزاً وعائقاً، منها 464 عائقاً ترابياً. ثم تراجع إلى 630 عام 2008، قبل أن يرتفع إلى 705 عام 2018، مع حضور أكبر للبوابات والحواجز ذات البنية الثابتة. ومع الموجة الأحدث، بلغ العدد 793 في مارس/آذار 2024، ثم 925 في ديسمبر/كانون الأول 2025، ليصل إلى 942 حتى 25 سبتمبر/أيلول 2026.

مدينة بست بوابات… معظمها مغلق

يقول الباحث في شؤون الاستيطان عيسى عمرو: إن لمدينة الخليل ستة مداخل، يكاد معظمها يكون مغلقاً أو مقيّداً، مبينا أن مدخل فرش الهوى في الشمال الغربي، وهو مدخل رئيسي وحيوي، يفتح ويغلق في ساعات محددة.

وأضاف أن مدخل رأس الجورة في الشمال، وهو المدخل الرئيسي للمدينة، فمغلق منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما يبقى مدخل بيت عينون في الشمال الشرقي مغلقاً بالكامل. ويقع مدخل المنطقة الصناعية في الجنوب الشرقي، في منطقة جبل جوهر، وهو مغلق كذلك، بينما يفتح مدخل الفحص في الجنوب ويغلق في ساعات محددة، ويظل المدخل الجنوبي مغلقاً منذ سنوات طويلة. وداخل المدينة نفسها، يشير عمرو إلى وجود 32 حاجزاً في محيط المسجد الإبراهيمي بالبلدة القديمة، معظمها مغلق بالكامل.

شريان حيوي تحت المراقبة

ويعد مدخل فرش الهوى شرياناً أساسياً لحركة السكان من الخليل وإليها، سواء المتجهين إلى قراها الشمالية أو المسافرين إلى محافظات وسط الضفة وشمالها وإلى الأردن. كما تمر عبره المركبات التجارية الفلسطينية من المدينة إلى شمالها وباقي المحافظات، والشاحنات التجارية بين الخليل ومعبر ترقوميا.

ويقول عمرو -وفق تصريحات نقلتها الجزيرة- إن الموقع يشهد وجوداً دائماً لجيش الاحتلال وليس حاجزاً مؤقتاً كما ادعى الاحتلال، مضيفاً أن الحاجز يغلق بشكل متكرر، وتفتش القوات المواطنين وتعيق حركتهم بشكل كبير، فيتشكل طابور طويل من السيارات. وأشار إلى حالات تنكيل وإذلال تقع على حواجز المحافظة.

خريطة مقسّمة وكلفة يومية

وترى هيئة مقاومة الجدار أن هذه الحواجز تحوّل التواصل الجغرافي الفلسطيني إلى شبكة مسارات خاضعة للتحكم، وتعيد تقسيم الضفة عملياً إلى كانتونات وجيوب محاصرة يمكن وصلها أو فصلها وإغلاقها في أي وقت.

وبهذا لا يقتصر دور الحاجز على منع المرور، بل يمتد إلى التحكم في الوصول إلى العمل والتعليم والعلاج والأرض الزراعية ومراكز الخدمات، ما يرفع كلفة الحياة اليومية ويضيّق إمكانات الاستقرار والحركة، ويسهم في خلق بيئة طاردة تجعل استمرار الحياة الفلسطينية الطبيعية أكثر صعوبة.

ويضيف عمرو أن أثر الحواجز يطال كل تفاصيل حياة الفلسطيني، إذ بات الوصول إلى المستشفيات والجامعات ومناطق العمل يتأثر بشكل كبير جداً، وبات المواطن يخشى مغادرة مدينته بسبب اعتداءات المستوطنين التي تجري، بحسب قوله، دون محاسبة وبمساعدة جيش الاحتلال.

حياة معلّقة على بوابة

بين هجوم فرش الهوى وما تلاه من إغلاق إسرائيلي شامل لمداخل المدينة، تتكشف صورة أوسع من حدث بعينه: منظومة حواجز تتمدد عاماً بعد عام، وتحوّل الطريق من وسيلة وصل إلى أداة تحكم. ففي الخليل، كما في بقية مدن الضفة وقراها، باتت الحواجز جزءاً من الحياة اليومية تُحدد متى يصل المريض ومتى يبدأ العامل يومه، وهل يبلغ الطالب قاعة الامتحان أو تصل البضاعة إلى السوق.

وسط كل ذلك يبقى المشهد على الأرض واحداً: طوابير طويلة، وبوابات تفتح وتغلق بقرار لا يملكه من ينتظر خلفها، ومجتمع يدفع كلفة هذا الواقع من وقته ورزقه وإحساسه بالأمان. ومع كل إغلاق إسرائيلي جديد، يزداد السؤال إلحاحاً: إلى متى يمكن لحياة معلّقة على بوابة أن تحتمل؟

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest