800 قرار إبعاد في عام.. موسم الأعياد يعيد رسم مشهد الحضور الفلسطيني وهوية القدس

المسجد الأقصى

المركز الفلسطيني للإعلام

مع بدء موسم الأعياد اليهودية، يدخل المسجد الأقصى مرحلة جديدة من التصعيد، لا تتوقف تداعياتها عند ارتفاع وتيرة اقتحامات المستوطنين أو تشديد الإجراءات العسكرية والأمنية على أبوابه، بل تمتد إلى استهداف الوجود الفلسطيني داخله، عبر قرارات الإبعاد التي تطال المصلين والحراس والشخصيات الدينية والوطنية المقدسية.

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه تحركات جماعات “الهيكل” ودعواتها إلى تكثيف اقتحامات المسجد وفرض مظاهر وطقوس جديدة فيه، تتخذ سلطات الاحتلال إجراءات متزامنة لتقييد حضور الفلسطينيين، بما يثير مخاوف مقدسية من استغلال موسم الأعياد لفرض وقائع جديدة داخل أحد أكثر المواقع حساسية في المدينة المحتلة.

الإبعاد في مواجهة الحضور الفلسطيني

وبحسب معطيات محافظة القدس، أصدرت سلطات الاحتلال 15 قرار إبعاد عن المسجد الأقصى خلال الأيام الستة الأولى من سبتمبر/أيلول الجاري، بعدما سجلت 23 قرارًا خلال يوليو/تموز وأغسطس/آب، ليرتفع بذلك إجمالي قرارات الإبعاد منذ بداية العام إلى نحو 800 قرار.

وفي المقابل، تجاوز عدد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد الأقصى منذ بداية العام وحتى نهاية أغسطس/آب 40 ألف مستوطن، وفق معطيات المحافظة، في مشهد يعكس، بحسب مسؤولين مقدسيين، اتساع الفجوة بين القيود المفروضة على الوجود الفلسطيني والتسهيلات والحماية التي ترافق اقتحامات المستوطنين.

ولم تقتصر قرارات الإبعاد خلال العام الجاري على المصلين، بل طالت شخصيات دينية ووطنية وموظفين وعاملين في المسجد، من بينهم قاضي القدس الشرعي الدكتور إياد العباسي، الذي يعمل داخل المحكمة الشرعية في المسجد الأقصى، وحارس المسجد فادي عليان.

كما شملت القرارات شخصيات مقدسية وناشطين وأسرى محررين، بينهم أحمد شويات، ونسيم خليل حمادة، وصهيب وإسحق عفانة، وحسام أبو عيشة، ومهران محاميد، ويوسف الرشق، وجهاد قوس، وحذيفة ودجانة عطون، فيما تراوحت مدد الإبعاد بحق عدد منهم بين أسبوع قابل للتجديد، وأربعة وستة أشهر.

ولا تبدو هذه القرارات، وفق القراءة المقدسية، معزولة عن سياقها الزمني؛ إذ تتكثف مع اقتراب المواسم الدينية اليهودية، وهي الفترات التي تشهد عادة نشاطًا متزايدًا لجماعات “الهيكل” ودعوات متصاعدة لتنظيم الاقتحامات وإقامة الطقوس.

موسم الأعياد.. توقيت شديد الحساسية

ويقول مدير إعلام محافظة القدس عمر الرجوب إن خطورة المرحلة الحالية لا تكمن فقط في ارتفاع عدد قرارات الإبعاد، وإنما في توقيتها وتزامنها مع موسم الأعياد اليهودية.

ويعتبر الرجوب أن استهداف المصلين والحراس والشخصيات المقدسية من شأنه إضعاف الوجود الفلسطيني داخل المسجد، في الوقت الذي يجري فيه التحضير لتكثيف اقتحامات المستوطنين، مشيرًا إلى أن سلطات الاحتلال تتعامل مع مواسم الأعياد باعتبارها فترات لفرض إجراءات إضافية داخل الأقصى.

ويشير إلى أن جماعات المستوطنين تستغل هذه المناسبات لرفع مستوى الاقتحامات والضغط من أجل توسيع نطاق وجودها داخل المسجد، محذرًا من أن استمرار هذه الإجراءات قد يقود، بصورة تدريجية، إلى تغيير المشهد القائم داخله.

وتكتسب هذه المخاوف وزنًا أكبر في ضوء أرقام الاقتحامات؛ إذ أعلنت محافظة القدس أن أكثر من 40 ألف مستوطن اقتحموا المسجد الأقصى منذ بداية العام وحتى نهاية أغسطس/آب، بالتزامن مع استمرار سياسة إبعاد الفلسطينيين وتقليص مساحة حضورهم في المسجد.

من الاقتحام إلى محاولة تثبيت الطقوس

ولا تقتصر تحركات جماعات “الهيكل”، وفق الخبير في شؤون القدس والمسجد الأقصى زياد بحيص، على المطالبة بزيادة أعداد المقتحمين، وإنما تتجه بصورة متدرجة نحو محاولة إدخال مظاهر مرتبطة بالطقوس اليهودية إلى المسجد ومحيطه.

ويقول بحيص إن موسم الأعياد اليهودية يمثل سنويًا واحدة من أكثر الفترات حساسية بالنسبة إلى المسجد الأقصى، بالنظر إلى النشاط المكثف لجماعات “الهيكل” ومحاولاتها استغلال هذه المناسبات لتوسيع مظاهر وجودها داخله.

ويشير إلى أن من أبرز التطورات خلال العام الجاري محاولات إدخال كتب ومواد مرتبطة بالطقوس اليهودية إلى الأقصى، إلى جانب الدفع باتجاه زيادة ساعات الاقتحام وفتح نقاش بشأن السماح بالاقتحام أيام السبت، فضلًا عن محاولات إقامة طقوس في محيط المسجد، خصوصًا بالقرب من باب الرحمة.

وبحسب بحيص، فإن خطورة هذه التحركات تكمن في طبيعتها التدريجية؛ إذ تسعى جماعات “الهيكل” إلى تثبيت خطوات تبدو محدودة في بدايتها، قبل تحويلها مع مرور الوقت إلى وقائع يصعب التراجع عنها.

ويرى أن تجربة المسجد الأقصى خلال العقود الماضية تظهر أن بعض الإجراءات التي تبدأ بصورة محدودة يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى تغييرات أوسع في طريقة التعامل مع المسجد، وهو ما يجعل كل خطوة جديدة موضع اهتمام ومتابعة مقدسية وفلسطينية.

إبعاد الفلسطينيين.. فراغ قابل للاستثمار

وفي هذا السياق، يصبح الحضور الفلسطيني داخل المسجد الأقصى أكثر من مجرد وجود اعتيادي للمصلين؛ فهو، بحسب القراءة المقدسية، أحد العوامل الأساسية في الحفاظ على هوية المسجد ومنع تحويل الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم.

ويشير بحيص إلى أن تغييب المصلين وإبعاد الشخصيات والحراس المقدسيين، بالتزامن مع تكثيف اقتحامات المستوطنين، يمكن أن يخلق فراغًا تسعى جماعات “الهيكل” إلى استثماره لترسيخ وجودها ومظاهرها الدينية داخل المسجد.

ومن هنا، فإن سياسة الإبعاد لا تُقرأ فقط باعتبارها إجراءً أمنيًا يستهدف أفرادًا محددين، وإنما ضمن مسار أوسع يمس طبيعة الحضور الفلسطيني في المسجد، خصوصًا عندما تتزامن مع إجراءات تسهّل اقتحامات المستوطنين وتتيح لهم مساحة متزايدة داخل الأقصى ومحيطه.

واقع جديد يُفرض بالتدرج

وتحاول سلطات الاحتلال، وفق المعطيات المقدسية، فرض قيود متزايدة على الوجود الفلسطيني بالتزامن مع مواسم الأعياد، في وقت تتحرك فيه جماعات المستوطنين في الاتجاه المعاكس، عبر حملات تدعو إلى الاقتحام والصلاة والضغط السياسي والقانوني لتوسيع ساعات وأيام دخولهم إلى المسجد.

وتحذر محافظة القدس من أن استمرار هذه الممارسات، إلى جانب توفير الحماية الرسمية لاقتحامات المستوطنين، قد يؤدي إلى تكريس إجراءات جديدة باعتبارها جزءًا من الواقع القائم، بما يثير مخاوف فلسطينية من استخدام موسم الأعياد كمدخل لتغيير تدريجي في المشهد داخل المسجد الأقصى.

وبينما تتصاعد الدعوات لاقتحام الأقصى وإقامة الطقوس فيه، تبدو سياسة الإبعاد في الجانب الآخر من المشهد كأداة لتقليص الحضور الفلسطيني، بما يضع المسجد أمام معادلة تتجاوز أعداد المقتحمين إلى طبيعة الوجود داخل المكان نفسه، ومن يملك القدرة على تثبيت حضوره فيه.

وفي مواجهة ذلك، يبقى الحضور الفلسطيني داخل الأقصى، عبر الصلاة والرباط والحضور اليومي، أحد أبرز عوامل التصدي لهذه المحاولات، في ظل سياسة إبعاد وقيود تتصاعد كلما اقتربت مواسم الأعياد، وسط مخاوف من أن تتحول الإجراءات المتدرجة إلى واقع جديد يعيد رسم المشهد داخل المسجد ويطال هويته ومكانته.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest