كيف توظّف «شبيبة التلال» الأطفال في إرهاب الفلسطينيين؟

شبيبة التلال

المركز الفلسطيني للإعلام

تتسع ظاهرة تجنيد القاصرين داخل حركة «شبيبة التلال» الاستيطانية، التي تُعد إحدى أبرز أذرع إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، وسط توظيف متزايد لأطفال ومراهقين في الاعتداء على الفلسطينيين، ومهاجمة ممتلكاتهم، وفرض السيطرة على أراضيهم.

وتكشف تقارير عبرية عن تراجع سن الملتحقين بالبؤر الاستيطانية، وتحول بعضها إلى بيئة تستقطب قاصرين متسربين من الأطر التعليمية، بينهم من يُصنفون ضمن فئة «أبناء الشبيبة في خطر»، قبل أن ينخرط بعضهم في أعمال عنف وتنكيل ضد الفلسطينيين.

وتجلت هذه الظاهرة مؤخرًا في شريط فيديو وثّق اعتداء قاصرين من «شبيبة التلال»، يبلغان من العمر 16 و17 عامًا، على مسن فلسطيني من ذوي الإعاقة؛ إذ ظهر أحدهما وهو يضربه بعصا، بينما تولى الآخر تصوير الاعتداء.

ارتفاع حاد في اعتداءات المستوطنين

وبحسب معطيات إسرائيلية، ارتفعت اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين بنسبة 560% منذ عام 2019، فيما شارك قاصرون في جانب من هذه الاعتداءات.

وتقدّر قوات الاحتلال وجود نحو 300 قاصر يعيشون في البؤر و«المزارع» الاستيطانية، ويشاركون في اعتداءات ضد الفلسطينيين، في وقت لا تتوفر فيه بيانات رسمية دقيقة حول أعداد القاصرين المنخرطين في «شبيبة التلال».

وتأتي هذه الظاهرة بالتوازي مع توسع استيطاني متسارع؛ إذ أقيمت نحو 200 بؤرة استيطانية جديدة خلال الولاية الحالية لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، على مساحة تقدر بنحو مليون دونم، بالتزامن مع تهجير سكان أكثر من 100 تجمع فلسطيني من أراضيهم.

ووفق تقرير نشره موقع «شومريم» العبري، تحولت بعض هذه البؤر إلى بيئة جاذبة لقاصرين متسربين من الأطر التعليمية، وبينهم شبان يصنفون ضمن «أبناء الشبيبة في خطر»، ليجدوا أنفسهم في بيئة تتداخل فيها الحياة الاستيطانية مع العنف المنظم ضد الفلسطينيين.

غياب المعالجة الرسمية

وحذر ناشطون إسرائيليون في مجال حقوق الإنسان منذ سنوات من تنامي ظاهرة إرهاب المستوطنين ومشاركة القاصرين فيها، منتقدين تعامل المؤسسات الرسمية معها.

وقال الناشط يورام شوريك إن قانون الأحداث الإسرائيلي يحدد معايير للتعامل مع «قاصر محتاج»، ومن بينهم القاصر الذي يرتكب فعلًا جنائيًا، أو يعيش في بيئة سيئة، أو يوجد في وضع يشكل خطرًا على سلامته الجسدية والنفسية.

وانتقد شوريك أداء المجالس الاستيطانية ووزارة الرفاه لدى الاحتلال، معتبرًا أن المؤسسات المعنية لا تقدم حلولًا حقيقية للظاهرة، وتحاول أحيانًا التهرب من مسؤولياتها عبر الادعاء بعدم معرفة أسماء القاصرين، أو القول إن ملفاتهم «قيد العلاج»، دون اتخاذ إجراءات فعلية.

وتشمل البلاغات التي تتجاهلها بعض المجالس الاستيطانية قاصرين تتراوح أعمارهم بين 14 و15 عامًا، يعملون في رعي الأغنام وينفذون أعمال تخريب وتنكيل ضد التجمعات الفلسطينية، ولا سيما النساء والأطفال.

ألف مستوطن.. ومئات القاصرين في البؤر

وخلال اجتماع للجنة التربية والتعليم في الكنيست، عقد في حزيران/يونيو الماضي، قال منسق وزارة الحرب في حكومة الاحتلال المسؤول عن ملف «شبيبة التلال» إن عدد عناصر الحركة يبلغ نحو ألف شخص.

في المقابل، قال ممثلو وزارتي التربية والتعليم والرفاه خلال الاجتماع ذاته إن العدد يتراوح بين 600 و800 عنصر، في ظل غياب إحصاء رسمي حاسم حول الحجم الحقيقي للحركة.

ونقل التقرير عن مسؤول في أحد المجالس الإقليمية للمستوطنات في الضفة الغربية قوله إن أحدًا لا يعرف العدد الحقيقي للقاصرين الموجودين في البؤر، موضحًا أنهم يأتون من مناطق مختلفة، وأن العاملين الاجتماعيين يحاولون إعادتهم إلى أطرهم ومناطقهم الأصلية، إلا أن ذلك يصبح صعبًا في حالات كثيرة.

وأضاف المسؤول أن القاصرين الذين وصفهم بـ«الإشكاليين» أصبحوا خلال السنوات العشر الأخيرة أكثر عنفًا، في مؤشر على تحول البؤر الاستيطانية إلى بيئة حاضنة لمزيد من التطرف والعنف.

رعي نهارًا وحراسة ليلًا

وتكشف شهادات من داخل البؤر الاستيطانية طبيعة الدور الذي يؤديه بعض القاصرين.

وقال مستوطن يبلغ 21 عامًا ويعيش مع زوجته في بؤرة استيطانية جنوب الضفة الغربية، وسُجن عدة مرات ورفض جيش الاحتلال تجنيده، إن عددًا من القاصرين يقيمون في «مزرعته»، موضحًا أنهم قدموا من مناطق أخرى، ويعملون في الحراسة ليلًا ورعي الأغنام نهارًا.

وأشار إلى أن إلقاء الحجارة على الفلسطينيين يمثل جزءًا من عملهم اليومي، مبررًا ذلك باعتقادهم أنهم يعيشون إلى جانب فلسطينيين «يريدون قتلهم».

وتكشف شهادته عن البعد الأيديولوجي الذي يحكم نشاط هؤلاء القاصرين، إذ قال إن «الرب أمرنا باحتلال البلاد وأن نرث الأغيار»، مضيفًا أن الأمر لا يقتصر على الكلمات، وإنما يجري تنفيذه «بالقوة أيضًا».

البؤر.. ملاذ دائم أو محطة موسمية

وتشير التقارير العبرية إلى أن السلطات الإسرائيلية مطلعة على ظاهرة تجنيد القاصرين في «شبيبة التلال»، وعلى انخفاض أعمار الملتحقين بالبؤر الاستيطانية، إلا أن الظاهرة استمرت في التوسع.

ويقيم بعض القاصرين بصورة دائمة داخل البؤر، بينما يتواجد آخرون فيها خلال العطل المدرسية ونهايات الأسبوع، فيما يتوجه قسم ثالث إليها للمشاركة في منع إخلائها عندما تواجه البؤرة أو المستوطنة خطر الإزالة.

وتظهر المعطيات أن غالبية عناصر «شبيبة التلال» من الذكور، وينحدر بعضهم من مستوطنات الضفة الغربية، فيما يأتي آخرون من مناطق مختلفة، وغالبيتهم من عائلات دينية-قومية، إلى جانب قاصرين من المجتمع الحريدي.

وتجمع الغالبية العظمى منهم خلفية مشتركة تتمثل في التسرب من الأطر التعليمية، قبل أن يجدوا في البؤر الاستيطانية بيئة بديلة تنقلهم من هامش المجتمع إلى المشاركة في مشاريع الاستيطان ومواجهة الفلسطينيين.

من المخالفات إلى العنف القومي

ولا يقتصر نشاط القاصرين على المشاركة في الحياة اليومية داخل البؤر، بل يصل لدى بعضهم إلى ارتكاب مخالفات تبدأ من قيادة المركبات أو استخدامها دون رخصة، وتمتد إلى مخالفات ذات دوافع قومية ضد الفلسطينيين.

كما تحدث أحد العناصر السابقين في «شبيبة التلال» عن تعرض قاصرين لتحرشات جنسية داخل البؤر الاستيطانية، محذرًا من طبيعة البيئة التي يجد فيها هؤلاء الأطفال أنفسهم بعد انتقالهم إليها.

وتشير هذه الشهادات إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بمشاركة قاصرين في اعتداءات منفردة، وإنما ببيئة اجتماعية وأيديولوجية تستقطب شبانًا صغار السن، وتعيد تشكيل سلوكهم داخل فضاء استيطاني يقوم على التوسع ومواجهة الفلسطينيين.

أيديولوجيا «محو القرى»

وتكشف التقارير العبرية كذلك عن وجود شخصيات دينية تقود مجموعات من «شبيبة التلال»، بمن فيهم قاصرون، خلال اقتحامات للقرى الفلسطينية.

ومن بين هؤلاء حاخام يدعى مناحيم بن شاحار، قاد اقتحامات لمجموعات من «شبيبة التلال» إلى قرى فلسطينية، وكان قد دعا في مقابلة أجراها معه موقع «الصوت اليهودي» عام 2023 إلى «محو قرية حوارة»، واعتبر ذلك عملًا «ناجعًا وأخلاقيًا ومقبولًا».

وبينما تكشف هذه الوقائع عن تورط قاصرين في أعمال عنف واستيطان، تبرز في المقابل أسئلة أكبر حول مسؤولية المؤسسات الرسمية الإسرائيلية، التي تبدو على اطلاع على الظاهرة، لكنها لم تنجح في وقف انتقال الأطفال والمراهقين إلى البؤر الاستيطانية أو منع توظيفهم في الاعتداء على الفلسطينيين.

وهكذا، لا تبدو «شبيبة التلال» مجرد تجمع شبابي هامشي داخل المشروع الاستيطاني، بل تتحول تدريجيًا إلى بيئة تستقطب قاصرين في سن مبكرة، وتزج بهم في منظومة تجمع بين الاستيطان والعنف والأيديولوجيا، بما يجعل جيلًا جديدًا من المستوطنين جزءًا من مشهد الاعتداءات المتصاعدة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest