
المركز الفلسطيني للإعلام/ خاص
لم تعد آثار الحرب في قطاع غزة تُقاس بعدد المنازل المدمرة، أو حجم الركام المتراكم في الشوارع، أو أعداد النازحين الذين ينتظرون العودة إلى مناطقهم.
فخلف هذه المشاهد تتشكل أزمة أعمق، تمسّ قدرة المجتمع على مواصلة حياته واستعادة وظائفه الأساسية؛ من الأسرة التي تحاول تأمين احتياجات أطفالها، والعامل الذي فقد مصدر رزقه، والطالب الذي انقطع عن التعليم، إلى المريض الذي يحتاج إلى علاج لا يتوافر، والتاجر الذي لم يعد قادرًا على استئناف نشاطه.
في غزة، لم يقتصر الدمار على ما أصاب المباني والبنية التحتية، بل امتد إلى الشروط التي تجعل الحياة ممكنة ومنتظمة، فالمنزل ليس جدرانًا وسقفًا فحسب، والعمل ليس دخلًا شهريًا فقط، والمدرسة ليست مكانًا لتلقي الدروس، والمستشفى ليس مبنى مجهزًا بالأسرّة.
كل واحدة من هذه المؤسسات تمثل حلقة في شبكة مترابطة، يؤدي تعطلها إلى إضعاف حلقات أخرى، حتى يجد الإنسان نفسه محاصرًا بسلسلة من الأزمات التي لا يستطيع حل إحداها دون توافر مقومات أخرى غائبة.
ومن هنا، فإن السؤال الأعمق الذي تطرحه المرحلة الراهنة ليس فقط كيف يمكن إعادة بناء غزة، بل كيف يمكن استعادة الحياة داخل مجتمع استنزفت الحرب موارده، وغيّرت أنماط عيشه، ووسّعت دائرة احتياجاته، وجعلت تدبير أبسط متطلباته اليومية مهمة شاقة.
من فقدان المأوى إلى تفكك الاستقرار الاجتماعي
يمثل فقدان المنزل أحد أكثر التحولات قسوة في حياة سكان غزة، ليس لأنه يحرم الأسرة من مكان للإقامة فحسب، بل لأنه ينتزع منها مساحة الاستقرار التي تنتظم حولها تفاصيل الحياة اليومية.
فالمنزل يوفر الخصوصية، ويحفظ الممتلكات والذكريات، ويمنح الأطفال مكانًا للنوم والدراسة واللعب، ويتيح للأسرة إدارة شؤونها بعيدًا عن أعين الآخرين.
وعندما تضطر العائلات إلى الانتقال بين مراكز الإيواء والخيام والمباني المتضررة، تتغير طبيعة الحياة الأسرية، تصبح المساحة محدودة، وتتراجع الخصوصية، وتزداد صعوبة تنظيم النوم والطعام والدراسة، فيما تتداخل احتياجات أفراد الأسرة في بيئة لا تتيح دائمًا تلبية الحد الأدنى من الراحة والأمان.
ولا تتوقف التداعيات عند الجانب المادي؛ إذ إن تكرار النزوح يقطع علاقات الجيرة، ويبعد الناس عن أماكن عملهم ومصادر دخلهم، ويفصل الأطفال عن مدارسهم وبيئاتهم الاجتماعية، وقد يحرم المرضى وكبار السن من شبكات الدعم التي اعتادوا الاعتماد عليها.
وتكشف تقديرات التقييم المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، الصادر في أبريل/نيسان 2026، عن حجم هذا التحول؛ إذ قدّر عدد الوحدات السكنية التي دمرت أو تضررت بأكثر من 371 ألف وحدة، وأشار إلى نزوح نحو 1.9 مليون فلسطيني، بعضهم نزح مرات متعددة.
لكن هذه الأرقام لا تعكس وحدها حجم الخسارة الاجتماعية. فإعادة بناء منزل لا تعيد تلقائيًا شبكة العلاقات التي تفرقت، ولا تعوض سنوات عاشتها الأسرة في حالة من عدم اليقين، ولا تضمن عودة الأطفال إلى بيئة مستقرة، ولهذا ينبغي أن يُقاس التعافي السكني بقدرة الناس على استعادة حياة منتظمة وآمنة، لا بعدد الوحدات التي يعاد تشييدها فقط.
وتزداد المسألة تعقيدًا عندما تتزامن خسارة المسكن مع فقدان مصدر الدخل، فالأسرة التي تستطيع تحمل كلفة استئجار مكان بديل تختلف ظروفها عن أسرة فقدت منزلها ومدخراتها وعملها في الوقت نفسه. ومن هنا، لا يمكن التعامل مع النازحين باعتبارهم فئة متجانسة، أو افتراض أن الاحتياجات نفسها تصلح للجميع.
اقتصاد ينهار حين يفقد الناس القدرة على الإنتاج
لا يمكن فهم الأزمة المعيشية في غزة من خلال أسعار السلع أو كميات المساعدات وحدها؛ فالمشكلة الأعمق تتمثل في التراجع الحاد للقدرة على الإنتاج والعمل وتوليد الدخل.
قبل الحرب، كان النشاط الاقتصادي يوفر للأسر، بدرجات متفاوتة، وسائل لتأمين احتياجاتها من خلال الوظائف والتجارة والزراعة والصناعات الصغيرة والخدمات.
أما حين تتضرر المنشآت والأسواق والأراضي الزراعية وشبكات النقل، وتتعطل المؤسسات، يفقد عدد كبير من السكان مصادر دخلهم، وتصبح قدرتهم على شراء ما يتوافر في الأسواق محدودة.
وقدّر التقييم المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي انكماش اقتصاد غزة بنحو 84%، فيما بلغت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية المقدرة 22.7 مليار دولار، إلى جانب 35.2 مليار دولار من الأضرار المادية المباشرة، وشملت القطاعات المتضررة التجارة والصناعة والصحة والتعليم والزراعة والعمل.
وتعني هذه الأرقام أن الأزمة ليست مجرد نقص في الأموال المتاحة للأسر، بل انهيار واسع في مصادر إنتاج الثروة وتداولها، فالتاجر يحتاج إلى بضائع تصل بانتظام، والمزارع يحتاج إلى أرض ومياه ومدخلات إنتاج، والعامل يحتاج إلى منشأة أو مشروع يوفر له فرصة العمل، والمنشأة تحتاج إلى الطاقة والمواد الخام والنقل والأسواق.
وعندما تتعطل هذه العناصر مجتمعة، لا يكفي توفير السلع بصورة مؤقتة لإعادة الدورة الاقتصادية إلى العمل.
وتبرز هنا الفجوة بين الإغاثة والتعافي الاقتصادي. فالمساعدات الغذائية قد تحول دون وقوع أسر في جوع أشد، والمساعدات النقدية قد تمنحها قدرة محدودة على شراء احتياجاتها، لكنها لا تعيد بالضرورة فتح المتاجر أو تشغيل المصانع أو استصلاح الأراضي أو خلق وظائف مستدامة.
وتتضح هشاشة الوضع مع إعلان برنامج الأغذية العالمي في أكتوبر/تشرين الأول 2026 تقليص مساعداته الغذائية لنحو 500 ألف فلسطيني في غزة، بسبب نقص التمويل، وبحسب التقارير المنشورة، انخفض عدد المستفيدين من البرنامج في القطاع من نحو 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص.
وتكشف هذه الخطوة عن مفارقة جوهرية: احتياجات السكان لا تتراجع بالضرورة عندما تتراجع الموارد المالية للجهات المانحة. وإذا بقيت فرص العمل والإنتاج محدودة، فإن تقليص المساعدات لا يعني مجرد انخفاض كمية الغذاء المقدمة، بل قد يدفع الأسر إلى استنزاف ما تبقى لديها من مدخرات، أو تقليل وجباتها، أو الاستدانة، أو الاعتماد على الأقارب والمبادرات المحلية.
ولا يعني ذلك أن المساعدات غير ضرورية؛ بل إن استمرار الاعتماد عليها يجعل استدامتها مسألة حاسمة، في الوقت الذي تصبح فيه إعادة بناء الاقتصاد ضرورة لا يمكن تأجيلها إلى ما بعد اكتمال إعادة الإعمار.
والسؤال الذي ينبغي أن يواجه خطط التعافي هو: كيف يمكن الانتقال من تمويل استهلاك الأسر تحت ضغط الطوارئ إلى استعادة قدرتها على العمل والإنتاج وتأمين احتياجاتها بمواردها؟
إن أي خطة لا تضع استعادة سبل العيش والإنتاج المحلي ضمن أولوياتها قد تنجح في تخفيف بعض الاحتياجات العاجلة، لكنها ستظل عاجزة عن معالجة أحد الجذور الأساسية للأزمة.
الماء والوقود والصحة.. شبكة واحدة من الاحتياجات
في غزة، لا تعمل الأزمات الخدمية بصورة مستقلة، فنقص الوقود قد يحد من تشغيل المولدات والمرافق الصحية، ويؤثر في ضخ المياه وتحلية مياه البحر وجمع النفايات ومعالجة مياه الصرف الصحي. ونقص قطع الغيار قد يحول عطلًا فنيًا محدودًا إلى مشكلة تطال آلاف السكان، بينما يؤدي تراجع خدمات الصرف الصحي إلى زيادة مخاطر الأمراض، ولا سيما في أماكن النزوح المكتظة.
وتوضح بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في تقريره الصادر في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن إنتاج مياه الشرب بين السادس والثاني عشر من أكتوبر تراجع إلى نحو 75% من مستوى الأسبوع السابق، وإلى 66% من مستوى الإنتاج الأسبوعي المسجل في منتصف سبتمبر/أيلول.
كما حذر التقرير من أن نقص الوقود والزيوت وقطع غيار المولدات والأدوية الأساسية يهدد استمرار خدمات المياه والرعاية الصحية.
وتبرز أهمية هذه الأرقام في أنها تكشف أن توافر المياه ليس مرتبطًا فقط بوجود مصدر للمياه، بل بقدرة المنشآت على العمل، وتوافر الطاقة وقطع الغيار، وإمكانية نقل المياه وتوزيعها على السكان.
وينطبق الأمر ذاته على الرعاية الصحية. فوجود مستشفى يعمل جزئيًا لا يعني بالضرورة قدرته على توفير العلاج لكل مريض، إذ تتوقف الخدمة على توافر الأدوية والمستهلكات الطبية والطاقة والمعدات والكوادر، فضلًا عن قدرة المرضى على الوصول إلى المرفق الصحي.
وفي حالات الأمراض المزمنة، قد يتحول نقص دواء أو تعطل جلسة علاج إلى تهديد مباشر لحياة المريض. أما المصابون الذين يحتاجون إلى عمليات متخصصة أو خدمات غير متاحة داخل القطاع، فتظل فرص علاجهم مرتبطة بإمكانية الإجلاء الطبي وتوافر الرعاية المناسبة خارج غزة.
وأشار تقرير الأمم المتحدة نفسه إلى أن آلاف المرضى ما زالوا بحاجة ماسة إلى الإجلاء الطبي، رغم إجلاء آلاف المرضى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ومن هنا، فإن إعادة تأهيل القطاع الصحي لا يمكن اختزالها في ترميم المباني أو توفير الأجهزة، المطلوب استعادة منظومة قادرة على العمل بصورة مستمرة، تشمل الإمدادات الطبية والوقود والمياه والكوادر والإحالات العلاجية.
وتتضح الصورة أكثر عند النظر إلى هذه القطاعات بوصفها منظومة مترابطة: فالمياه النظيفة ضرورية للوقاية من الأمراض، والصرف الصحي ضروري لحماية البيئة، والطاقة ضرورية لاستمرار الخدمات، والرعاية الصحية ضرورية لمعالجة آثار الحرمان والمرض. وأي خلل في إحدى هذه الحلقات يضاعف الضغط على الحلقات الأخرى.
الأطفال.. خسارة تتجاوز سنوات الدراسة
تُعد أزمة التعليم من أكثر آثار الحرب قابلية للامتداد إلى المستقبل؛ لأنها لا تتعلق فقط بالوقت الذي أمضاه الأطفال خارج المدارس، بل بما فقدوه من فرص للتعلم المنتظم والتفاعل الاجتماعي والنمو في بيئة مستقرة.
فالمدرسة ليست مكانًا لتلقي المعلومات فحسب، بل إطار يومي يساعد الطفل على تنظيم وقته، وبناء علاقاته، وتطوير مهاراته اللغوية والمعرفية، واكتساب الشعور بالاستقرار والانتماء.
وعندما ينقطع هذا الإطار لفترات طويلة، تختلف آثار الانقطاع من طفل إلى آخر، تبعًا لعمره وظروفه الأسرية ومستوى تعلمه السابق وإمكانية حصوله على بدائل تعليمية.
وقد أشار تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في أكتوبر/تشرين الأول إلى أن نحو 200 ألف طفل في غزة لا يحصلون على تعليم منظّم، مع استمرار القيود على إدخال المواد التعليمية ونقص قدرات الطباعة المحلية والورق والحبر.
ويطرح هذا الواقع تحديًا يتجاوز توفير الصفوف المؤقتة. فعودة الأطفال إلى التعلم تحتاج إلى تقييم مستوياتهم الفعلية، وتحديد الفاقد التعليمي، وتوفير الكتب والقرطاسية، ودعم المعلمين، وإنشاء بيئات تعليمية آمنة، ومراعاة احتياجات الأطفال الذين يعانون آثار النزوح والفقد والضغوط النفسية.
كما أن التفاوت بين الأسر في القدرة على توفير بدائل تعليمية قد يؤدي إلى اتساع الفجوات بين الأطفال. فمن يستطيع الوصول إلى دروس بديلة أو وسائل تعلم متاحة ليس كمن يعيش في خيمة مزدحمة، أو يتحمل مسؤوليات أسرية، أو يفتقر إلى الكهرباء والاتصال والمواد التعليمية.
وهنا تبرز أهمية ألا يُقاس نجاح الاستجابة التعليمية بعدد الصفوف التي أعيد فتحها وحده، بل بمدى قدرة الأطفال على استعادة مهارات القراءة والكتابة والحساب، والانتظام في التعلم، والانتقال بين المراحل الدراسية دون أن يتحول الانقطاع إلى عائق طويل الأمد.
إن إعادة بناء المدارس ضرورية، لكنها ليست كافية. فالمبنى قد يعود إلى الخدمة قبل أن يستعيد الطفل ما فاته من تعلم، وقد تتوافر المواد التعليمية دون أن تتوافر له بيئة مستقرة تساعده على استخدامها.
ولهذا ينبغي التعامل مع التعليم باعتباره جزءًا من عملية التعافي المجتمعي، لا خدمة منفصلة يمكن تأجيلها حتى تنتهي بقية الأزمات.
العبء غير المرئي.. حين يصبح تدبير اليوم استنزافًا مستمرًا
خلف أرقام النزوح والفقر ونقص الخدمات، توجد تجربة يومية يصعب قياسها بمؤشر واحد: الجهد الذي يبذله الإنسان لتأمين الاحتياجات الأساسية في ظروف غير مستقرة.
ففي الحياة المعتادة، توزّع الأسرة وقتها بين العمل والدراسة والرعاية والراحة. أما في ظروف الحرمان والنزوح، فقد يستغرق البحث عن المياه أو الغذاء أو وسيلة نقل أو دواء وقتًا وجهدًا كبيرين، ويضطر أفراد الأسرة إلى تغيير خططهم باستمرار وفق ما يتوافر وما يتعذر الحصول عليه.
ويؤدي استمرار هذه الضغوط إلى استنزاف الوقت والموارد والقدرة على التخطيط، وقد يجد الوالدان نفسيهما مضطرين إلى المفاضلة بين احتياجات أساسية، أو تأجيل علاج، أو تقليل الإنفاق على التعليم، أو تخصيص ما تبقى من الموارد لشراء الغذاء.
ولا يجوز افتراض أن جميع سكان غزة يعانون الآثار النفسية نفسها، أو أن كل شخص تعرض للصدمة يعاني اضطرابًا نفسيًا. لكن تكرار النزوح وفقدان الأقارب وتدمير المنازل وعدم اليقين بشأن المستقبل عوامل تستدعي رصدًا جادًا للاحتياجات النفسية والاجتماعية، وتوفير خدمات متخصصة يمكن الوصول إليها.
وتشير تقارير الأمم المتحدة خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى استمرار الضغوط النفسية وسوء ظروف المعيشة، فضلًا عن العوائق التي تحد من وصول بعض الفئات إلى الخدمات المتخصصة، ولا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة.
ولا تقتصر الحاجة هنا على جلسات الدعم النفسي؛ فبعض مصادر الضغط يرتبط مباشرة بظروف المعيشة. ولا يمكن مطالبة أسرة باستعادة شعورها بالأمان فيما تفتقر إلى مأوى مناسب، أو مطالبة طفل بالانتظام في الدراسة دون بيئة تساعده على التعلم، أو مطالبة مريض بالتكيف مع مرضه في ظل انقطاع العلاج.
ولهذا ينبغي أن يجمع التعافي بين الدعم النفسي والاجتماعي وتحسين الظروف المادية التي يعيش فيها الناس. فاستعادة الإحساس بالاستقرار تحتاج إلى أمان فعلي، وخدمات يمكن الاعتماد عليها، ومصادر دخل، ومساحة تسمح للأسرة بتنظيم حياتها.
إعادة الإعمار.. لماذا لا يكفي بناء ما تهدّم؟
تحتاج غزة إلى إعادة إعمار واسعة، لكن حجم الاحتياجات يجعل المسألة أكبر من مشروع إنشائي تقليدي.
فقد قدّر التقييم المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي الاحتياجات الإجمالية للتعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات، منها 26.3 مليار دولار مطلوبة خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية ودعم التعافي الاقتصادي.
ولا تعني هذه التقديرات أن توفير الأموال وحده سيضمن التعافي؛ فهي تحدد حجم الاحتياجات المقدرة، لكنها لا تزيل تلقائيًا العوائق التي تحول دون تنفيذ المشروعات، ولا تحسم كيفية توفير المواد والمعدات، أو ترتيب الأولويات، أو ضمان وصول الموارد إلى القطاعات والمناطق الأكثر احتياجًا.
وتبدأ إعادة الإعمار الفعلية من شروط مترابطة: إزالة الركام والتعامل الآمن مع مخلفات الحرب، وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي والطاقة، وتأهيل المرافق الصحية والتعليمية، وتوفير المأوى، وإعادة تشغيل الأنشطة الاقتصادية، وتمكين السكان من الوصول إلى الخدمات ومصادر الرزق.
كما أن إعادة بناء المنشآت دون ضمان قدرتها على التشغيل والصيانة قد تنتج بنية تحتية لا تستطيع الاستمرار في أداء وظائفها. فمحطة المياه تحتاج إلى طاقة ومواد تشغيل وقطع غيار، والمستشفى يحتاج إلى إمدادات وكوادر، والمدرسة تحتاج إلى معلمين ومواد تعليمية، والمصنع يحتاج إلى مواد خام وأسواق ونقل.
وتبرز هنا ضرورة الربط بين الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار، بدل التعامل معها بوصفها مراحل منفصلة تمامًا. فالاحتياجات العاجلة لا تنتظر اكتمال الخطط طويلة الأمد، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحول الاستجابة الطارئة إلى بديل دائم عن استعادة الخدمات والإنتاج.
ومن الضروري أيضًا أن تتضمن عملية التعافي آليات واضحة لتحديد الأولويات، وشفافية في إدارة الأموال، ومتابعة لنتائج الإنفاق، ومشاركة فلسطينية فعلية في تحديد الاحتياجات وترتيب المشروعات. فنجاح إعادة الإعمار لا يُقاس بحجم الأموال المعلنة وحده، بل بما يتغير في حياة السكان نتيجة استخدامها.
غزة بين النجاة والتعافي.. ما الذي يجب أن يتغير؟
تكشف المحاور السابقة أن أزمة غزة ليست مجموعة من المشكلات المنفصلة التي يمكن حل كل منها بمعزل عن الأخرى، إنها أزمة مركبة تتفاعل فيها خسارة المأوى مع فقدان الدخل، ويتداخل فيها انقطاع التعليم مع الضغوط الأسرية، ويرتبط فيها نقص المياه والطاقة باستمرار الخدمات الصحية، بينما تحد الأضرار التي أصابت البنية الإنتاجية من قدرة الأسر على استعادة استقلالها الاقتصادي.
وهذا الترابط يفرض تغييرًا في طريقة تقييم الاستجابة. فلا يكفي السؤال عن عدد شاحنات المساعدات التي دخلت، أو عدد المباني التي رُممت، أو عدد الصفوف التي فُتحت؛ بل يجب النظر إلى قدرة هذه التدخلات على إحداث تغيير مستدام في حياة الناس.
هل أصبح الغذاء متاحًا بصورة منتظمة ويمكن للأسر الحصول عليه؟ هل عادت المياه إلى مستويات تسمح بتلبية الاحتياجات الأساسية؟ هل يستطيع المرضى الحصول على علاجهم؟ هل عاد الأطفال إلى تعلم منتظم؟ هل استأنف العمال والتجار والمزارعون أنشطتهم؟ وهل تستطيع الأسرة التخطيط لأسبوعها المقبل دون أن تتوقف حياتها على تدبير الاحتياجات الضرورية يومًا بيوم؟
هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن مؤشرات الدمار؛ لأنها تقيس المسافة بين الاستجابة الإنسانية والتعافي الحقيقي.
كما أن نجاح أي خطة سيظل مرتبطًا بظروف الوصول إلى المواد والمعدات والوقود، واستمرار تدفق السلع، وتوافر التمويل، وإمكانية تنفيذ المشروعات بأمان، واستعادة القدرة على تشغيل المرافق الاقتصادية والخدمية. ولا يمكن لأي جهة أن تعوّض وحدها غياب هذه الشروط أو تعالج جميع آثار الحرب في وقت قصير.
وتحتاج غزة، لذلك، إلى مسار متكامل يجمع بين ضمان الاحتياجات الإنسانية العاجلة، واستعادة الخدمات الأساسية، وإحياء الاقتصاد، وإعادة بناء المساكن والمؤسسات، ودعم الأطفال والأسر والفئات الأكثر هشاشة. كما يحتاج هذا المسار إلى مؤشرات معلنة تتيح تقييم التقدم وتحديد مواطن التعثر، بدل الاكتفاء بالتعهدات العامة.
استعادة الحياة قبل الاكتفاء بإعادة بناء الحجر
إن التحدي الذي تواجهه غزة لا ينتهي بإزالة الركام، ولا يتحقق بمجرد عودة بعض الخدمات إلى العمل. فالمجتمع يحتاج إلى استعادة مقومات الحياة التي تتيح لأفراده العمل والتعلم والعلاج وتكوين الأسر وإدارة شؤونهم اليومية بقدر من الاستقرار والكرامة.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية إعادة البناء المادي؛ فالمنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه ضرورية، لكنها تكتسب معناها من الوظائف التي تؤديها في حياة الناس. فالمبنى الذي لا تتوافر له مقومات التشغيل لا يعيد الخدمة، والمدرسة التي لا يستطيع الطفل الانتظام فيها لا تستعيد التعليم، والمنشأة التي لا توفر فرص عمل لا تعيد بناء الاقتصاد.
وإذا كانت الحرب قد خلّفت خسائر مادية تُقدّر بعشرات المليارات، فإن استعادة الحياة تتطلب أيضًا معالجة خسائر أقل ظهورًا في الحسابات المالية: سنوات التعليم التي تعطلت، ومصادر الدخل التي انهارت، والعلاقات الاجتماعية التي تفرقت، والقدرة على التخطيط التي أضعفها استمرار عدم اليقين.
ولهذا، فإن المعيار الحقيقي للتعافي ليس فقط مقدار ما أُعيد بناؤه، بل مقدار ما استعادته العائلات من قدرتها على العيش دون الارتهان الدائم للمساعدة، وما استعادته المؤسسات من قدرتها على تقديم خدمات منتظمة، وما استعادته الأجيال الجديدة من فرص التعلم والنمو، وما استعادته غزة من قدرتها على إنتاج الحياة بدل الاكتفاء بإدارة آثار الدمار.

