
المركز الفلسطيني للإعلام/ خاص
لم يضع اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في قطاع غزة في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025 حدًا للاعتداءات الإسرائيلية، كما لم ينهِ معاناة أكثر من مليوني فلسطيني أنهكتهم حرب الإبادة والدمار والنزوح؛ إذ واصلت قوات الاحتلال عمليات القصف وإطلاق النار والتوغل ونسف المنازل، في وقت بقيت فيه مساحات واسعة من القطاع خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، وظلت المساعدات الإنسانية دون الاحتياجات الفعلية للسكان.
ومع مرور أكثر من عام على الاتفاق، تكشف الأرقام الفلسطينية والأممية عن استمرار سقوط الشهداء والجرحى، واتساع دائرة المخاطر التي تحيط بالمدنيين، بما يجعل وقف إطلاق النار إطارًا لم تتوقف في ظله العمليات العسكرية فعليًا، وإن تراجعت حدتها مقارنة بمرحلة الحرب المفتوحة.
ووفق أحدث إحصائية أعلنها المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الاثنين 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي 5989 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار منذ بدء سريانه، بينها 753 خرقًا خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي وحده.
وأسفرت هذه الخروقات، وفق المكتب، عن استشهاد 1593 فلسطينيًا وإصابة 5748 آخرين، إلى جانب اعتقال 217 مواطنًا، في حصيلة تعكس استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية رغم الاتفاق المعلن لوقف الحرب.
القصف وإطلاق النار.. الاتفاق لم يمنع سقوط الضحايا
شكّلت الهجمات الجوية والمدفعية وإطلاق النار المباشر أبرز مظاهر الخروقات الإسرائيلية، ولم تقتصر على المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر، بل طالت مناطق سكنية ومخيمات نزوح ومواقع مدنية في مناطق متفرقة من القطاع.
وبرزت خطورة هذا المسار بصورة واضحة في 28 و29 تشرين الأول/أكتوبر 2025، عندما شن الاحتلال سلسلة غارات واسعة على قطاع غزة، أسفرت، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، عن استشهاد 104 فلسطينيين وإصابة 253 آخرين، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء.
وشملت الهجمات مخيم النصيرات ومناطق سكنية مكتظة، وأدت إلى تدمير منازل وسقوط عائلات بأكملها، في تصعيد وقع بعد أسابيع قليلة من بدء تنفيذ الاتفاق.
وفي المقابل، زعمت سلطات الاحتلال إن الهجمات استهدفت مواقع وعناصر مسلحة، وربطتها باتهامات بخرق الاتفاق من الجانب الفلسطيني. غير أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة وثقت تفاصيل الغارات، وأشارت إلى أن المواقع المستهدفة كان داخل أحياء سكنية مكتظة أو بمحاذاتها.
وتواصلت الهجمات خلال عام 2026، بين غارات جوية وقصف مدفعي وإطلاق نار من الآليات والمواقع العسكرية، مع تسجيل شهداء في مناطق قريبة من الخط الأصفر وأخرى بعيدة عنه.
الخط الأصفر.. من ترتيبات الانسحاب إلى واقع التوسع والسيطرة
تحول الخط الأصفر، الذي ارتبط بترتيبات إعادة انتشار قوات الاحتلال بموجب المرحلة الأولى من الاتفاق، إلى أحد أكثر مصادر الخطر على سكان قطاع غزة.
فبدل أن يكون حدًا واضحًا ومؤقتًا للفصل بين مناطق انتشار قوات الاحتلال والمناطق التي يُفترض أن يتحرك فيها الفلسطينيون، باتت محيطاته مسرحًا لإطلاق النار والقتل والتوغلات وعمليات الهدم، وسط صعوبة تحديد حدوده بدقة بالنسبة إلى السكان.
ووثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان استشهاد 331 فلسطينيًا قرب الخط الأصفر حتى نهاية تموز/يوليو 2026، بينهم 66 طفلًا و27 امرأة، مشيرًا إلى أن عددًا من الشهداء كانوا يمارسون أنشطة مدنية عادية، ولم تتوفر معلومات تفيد بأنهم شكلوا تهديدًا للقوات الإسرائيلية.
ومن بين الحالات التي وثقها المكتب استشهاد طفل يبلغ عامين في 14 حزيران/يونيو 2026، بعدما أطلق جنود الاحتلال النار عليه وهو في حضن والده بمنطقة وادي السلقا، كما أصيب والده بالرصاص.
ولفت المكتب إلى أن استهداف المدنيين الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال القتالية يثير مخاوف جدية بشأن انتهاكات القانون الدولي الإنساني، بغض النظر عن قربهم من مناطق انتشار القوات العسكرية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الخط الأصفر، إذ تحدثت لجنة التحقيق الدولية عن توسع المساحة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية من نحو 53% من مساحة القطاع وفق التصور الأولي للاتفاق إلى ما لا يقل عن 60% بحلول الثاني من أيلول/سبتمبر 2026.
كما أشارت إلى إنشاء قواعد عسكرية وتحصينات جديدة، وإقامة ما عُرف بالخط البرتقالي في آذار/مارس 2026، بما أضاف نطاقًا جديدًا من القيود على حركة السكان.
وذكرت اللجنة أن هذه التطورات، إلى جانب تصريحات إسرائيلية بشأن توسيع السيطرة على القطاع، تثير مخاوف من تحول خطوط الانتشار المؤقتة إلى حدود فعلية تفرض واقعًا جغرافيًا جديدًا.
نسف المنازل والتوغلات.. تدمير متواصل خلف الخطوط
لم تقتصر الخروقات على إطلاق النار والقصف، بل شملت عمليات نسف وتدمير للمنازل والمنشآت، وتوغلات للآليات العسكرية في مناطق سكنية، بما أبقى شريحة واسعة من السكان أمام خطر فقدان ما تبقى من مساكنهم وممتلكاتهم.
وخلال تشرين الأول/أكتوبر 2026 وحده، سجل المكتب الإعلامي الحكومي 64 عملية نسف لمنازل المواطنين، و21 توغلًا للآليات العسكرية، إلى جانب 310 عمليات قصف و346 حادثة إطلاق نار.
وتكشف هذه الأرقام أن عمليات التدمير لم تتوقف بانتهاء الحرب المفتوحة، وأن مناطق انتشار الاحتلال ظلت تشهد عمليات عسكرية تؤثر في إمكانية عودة السكان إلى منازلهم واستقرارهم في المناطق التي نزحوا منها.
كما أن تحريك العلامات الميدانية للخط الأصفر، الذي أشار إليه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تقريره الصادر في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026 قرب مفترق الشجاعية، أثار مخاوف من توسيع نطاق المناطق المقيدة وتهديد أماكن وجود النازحين.
المساعدات الإنسانية.. خرق يتجاوز الميدان إلى شروط الحياة
امتدت تداعيات عدم تنفيذ الاتفاق إلى الجانب الإنساني، خصوصًا ما يتعلق بإدخال المساعدات الغذائية والطبية والوقود، وفتح المعابر أمام حركة الأفراد والبضائع.
فقد نصت التفاهمات المرتبطة بالمرحلة الأولى على زيادة تدفق المساعدات إلى القطاع، وتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان، إلا أن الأرقام التي أعلنها المكتب الإعلامي الحكومي تكشف فجوة واسعة بين الكميات المتفق عليها وما دخل فعليًا.
وبحسب إحصائية 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، دخل قطاع غزة 77 ألفًا و657 شاحنة فقط من أصل 232 ألفًا و800 شاحنة كان يفترض إدخالها منذ بدء الاتفاق، بنسبة التزام بلغت 33.3%.
أما خلال تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فلم تدخل سوى 3777 شاحنة من أصل 18 ألفًا و600 شاحنة متفق عليها، بنسبة 20.3%، بينها 247 شاحنة وقود فقط من أصل 1550 شاحنة مقررة، أي بنسبة 15.9%.
ويعني ذلك أن القطاع ظل محرومًا من جزء كبير من الإمدادات التي يفترض أن تسهم في معالجة الاحتياجات المتراكمة، في ظل تضرر البنية التحتية واستمرار أزمة المياه والكهرباء والخدمات الصحية، وحاجة المستشفيات والمخابز ومحطات المياه إلى الوقود بصورة مستمرة.
وعلى صعيد معبر رفح، أظهرت الأرقام استمرار القيود على حركة المسافرين؛ إذ بلغ إجمالي العابرين في الاتجاهين منذ بدء الاتفاق 14 ألفًا و821 مسافرًا، من أصل 40 ألفًا كان يفترض سفرهم، بنسبة التزام بلغت 37%.
وخلال تشرين الأول/أكتوبر 2026، لم يتجاوز عدد المسافرين في الاتجاهين 802 شخص من أصل 4200 كان مقررًا عبورهم خلال أيام العمل، بنسبة 19.1%.
وتكتسب هذه القيود أهمية خاصة بالنسبة إلى المرضى والجرحى والطلبة وأصحاب الحالات الإنسانية، الذين ينتظر كثير منهم فرصة السفر للعلاج أو استكمال حياتهم خارج القطاع.
الاعتقالات والقيود.. استمرار سياسة الضغط
إلى جانب القصف والتدمير، سجلت الإحصاءات الفلسطينية استمرار عمليات الاعتقال خلال فترة وقف إطلاق النار، إذ بلغ عدد المعتقلين منذ بدء الاتفاق وحتى 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 نحو 217 مواطنًا، وفق المكتب الإعلامي الحكومي.
وخلال تشرين الأول/أكتوبر وحده، اعتقلت قوات الاحتلال 19 فلسطينيًا، في سياق العمليات الميدانية التي شملت إطلاق النار والتوغلات وملاحقة المواطنين في مناطق مختلفة من القطاع.
وتعزز هذه الممارسات حالة انعدام الاستقرار الأمني، خصوصًا مع استمرار القيود على حركة السكان، وعدم وضوح حدود المناطق المسموح لهم بالوجود فيها، فضلًا عن مخاطر التعرض لإطلاق النار حتى في المناطق التي يفترض أنها خارج نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
اتفاق متعثر.. لا انسحاب كامل ولا إعادة إعمار
لم تتوقف تداعيات الخروقات عند الجانب العسكري والإنساني، بل امتدت إلى تعثر تنفيذ المراحل اللاحقة من الاتفاق، والتي كان يفترض أن تفضي إلى انسحاب إسرائيلي أوسع، وترتيبات لإدارة قطاع غزة، ونشر قوة استقرار دولية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
وبعد مرور عام، بقيت هذه الملفات موضع خلاف وتعثر، في ظل تمسك حكومة الاحتلال بشروط تتعلق بنزع سلاح حركة حماس قبل استكمال الانسحاب، مقابل طرح يربط بين تنفيذ الترتيبات الأمنية والانسحاب الإسرائيلي بصورة متزامنة.
ووفق تقرير لوكالة أسوشيتد برس في الذكرى السنوية الأولى للاتفاق، فإن المرحلة الأولى نجحت في وقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، وإتمام ملف الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين المتبقين، وتوسيع دخول المساعدات مقارنة بمرحلة الحرب، لكنها لم تحقق الأهداف المتعلقة بإنهاء السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من القطاع، وتشكيل إدارة فلسطينية جديدة، وإطلاق إعادة الإعمار.
كما أشارت الوكالة إلى استمرار وجود نحو مليوني فلسطيني في ظروف نزوح قاسية، بين الخيام والمباني المتضررة والأنقاض، مع غياب تقدم ملموس في إعادة بناء القطاع.
الأمم المتحدة: أكثر من 1400 شهيد خلال عام
على المستوى الدولي، لم تقتصر التحذيرات على البيانات الفلسطينية، إذ وثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان استمرار سقوط الضحايا الفلسطينيين بعد إعلان وقف إطلاق النار.
وقال المكتب، في بيان صدر في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إنه تحقق من استشهاد 1076 فلسطينيًا خلال الفترة الممتدة من بدء الاتفاق وحتى نهاية تموز/يوليو، بينهم 268 طفلًا و126 امرأة و682 رجلًا.
وأشار إلى أن وزارة الصحة الفلسطينية أعلنت استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني منذ بدء الاتفاق وحتى الذكرى السنوية الأولى، مع استمرار الهجمات الجوية والمدفعية وإطلاق النار، وتكرار نزوح السكان.
وحذر المكتب من أن استمرار قتل المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء، يثير مخاوف جدية بشأن انتهاكات القانون الدولي، داعيًا الدول إلى استخدام نفوذها لوقف الانتهاكات وضمان المساءلة.
وقف إطلاق النار بالأرقام.. حصيلة تكشف اتساع الخروقات
وفق إحصائية المكتب الإعلامي الحكومي في غزة حتى 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2026:
- إجمالي الخروقات: 5989.
- الشهداء: 1593.
- المصابون: 5748.
- المعتقلون: 217.
- خروقات أكتوبر 2026: 753.
- شهداء أكتوبر: 145.
- مصابو أكتوبر: 672.
- شاحنات المساعدات الداخلة: 77,657.
- نسبة الالتزام بإدخال الشاحنات: 33.3%.
- نسبة الالتزام بحركة السفر عبر رفح: 37%.
اتفاق على الورق وواقع لم يتوقف فيه القتل
بعد أكثر من عام على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، تبدو الفجوة واسعة بين التعهدات التي حملها الاتفاق والواقع الذي يعيشه الفلسطينيون في قطاع غزة؛ فالقصف وإطلاق النار ونسف المنازل والتوغلات العسكرية استمرت، فيما بقيت مناطق واسعة تحت السيطرة الإسرائيلية، وتواصلت القيود على المساعدات وحركة المسافرين، وتعثر الانسحاب وإعادة الإعمار.
ولا تعكس حصيلة 5989 خرقًا، وفق توثيق المكتب الإعلامي الحكومي، مجرد حوادث ميدانية متفرقة، بل تسجل أنماطًا متعددة من العمليات العسكرية التي تواصلت على امتداد أشهر الاتفاق، وأوقعت آلاف الضحايا بين شهيد وجريح ومعتقل.
وفي المقابل، تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن آثار هذه الانتهاكات تجاوزت الخسائر المباشرة، لتطال حق المدنيين في الأمان والحركة والعودة إلى منازلهم والحصول على الغذاء والعلاج.

