
غزة – المركز الفلسطيني للإعلام
في قطاع غزة، قد تبدأ الأزمة بخيمة ممزقة، لكنها لا تنتهي عند غياب المأوى، فالمطر المرتقب الذي يتسرب إليها يهدد ما تبقى من مقتنيات الأسرة، والمياه الملوثة تفتح الباب أمام المرض، والمرض يقود إلى مستشفى يعمل بإمكانات منهكة، فيما يحتاج تشغيله إلى مولد يفتقر إلى الزيت وقطع الغيار.
وفي الخيمة ذاتها، يحاول طفل أن يستعيد ثلاثة أعوام تقريباً من التعليم المفقود، بينما تنشغل أسرته أولاً بتأمين الماء والطعام ومكان آمن للنوم.
هكذا تبدو غزة في سبتمبر 2026، ليست أزمة إنسانية واحدة، بل أزمات تتراكم وتجرّ بعضها بعضاً، حتى أصبح تأمين أساسيات الحياة معركة يومية لنحو 2.1 مليون فلسطيني يعيشون وسط دمار واسع وخدمات أساسية شديدة الهشاشة.
وتكشف البيانات الرسمية والأممية الصادرة خلال الشهر الجاري اتساع هذه الدائرة، فمن أزمة مأوى تطاول نحو 1.98 مليون شخص، إلى انعدام أمن المياه لدى 91% من الأسر التي شملتها التقييمات، مروراً بنحو 1.4 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وصولاً إلى نظام صحي يعتمد على مولدات مهددة بالتوقف، وتعليم يحاول العودة من داخل الخيام والنقاط المؤقتة.
والجامع بين هذه الأرقام أن أي خلل في حلقة واحدة سرعان ما ينتقل إلى بقية الحلقات، فالأسرة التي لا تمتلك مأوى مناسباً تصبح أكثر عرضة للمرض، والمريض يحتاج إلى منظومة صحية تعاني هي الأخرى نقص الطاقة والمستلزمات، والجوع والمرض والنزوح يجعلون انتظام الطفل في التعليم أكثر صعوبة.
مأوى لا يحمي.. ومنزل قد يقتل ساكنيه
تبدأ واحدة من أقسى دوائر الأزمة من المكان الذي يفترض أن يوفر للإنسان الحد الأدنى من الأمان وهو المنزل، ففي إحاطة أممية قدمتها منسقة مجموعة المأوى في فلسطين، جيهان سليم، أمام لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الشعب الفلسطيني مطلع سبتمبر الجاري، قُدّر عدد المحتاجين إلى مساعدات المأوى في غزة بنحو 1.98 مليون شخص، أي قرابة 90% من السكان.
وفي المقابل، لم يحصل سوى نحو 10% من المحتاجين على شكل من أشكال دعم المأوى خلال الأشهر الأخيرة، وفق الإحاطة، وسط نقص التمويل والقيود التي تعيق إدخال المواد اللازمة.
لكن أزمة السكن لا تعني فقط أن مئات آلاف الفلسطينيين يعيشون في خيام ومساكن مؤقتة، فالدمار الواسع يدفع آخرين إلى الاحتماء داخل مبانٍ متضررة، لتصبح المفاضلة بين خيمة لا تحمي من الشتاء ومنزل قد لا يصمد.
وتزداد خطورة هذا الواقع مع اقتراب موسم الأمطار، وتقول “أوتشا” في تقريرها الصادر في 4 سبتمبر الجاري، إن معظم سكان القطاع البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة يقتربون من الشتاء وهم يعيشون في مواقع نزوح مكتظة، وسط مخاطر الفيضانات والأمراض، بينما تعوق فجوات التمويل وقيود الوصول جهود الاستعداد للموسم.
الماء والطعام.. البحث عن الضروري
ومن المأوى تبدأ أزمة أخرى، فالاكتظاظ والدمار وتضرر البنية التحتية تضاعف الضغط على المياه والصرف الصحي، لتصبح رحلة الحصول على الماء جزء ثابتاً من حياة الأسرة اليومية.
وبحسب أحدث تقرير لـ”أوتشا”، الصادر في 11 سبتمبر الجاري، فإن 91% من الأسر التي جرى تقييمها في غزة تعاني مستويات متوسطة إلى مرتفعة من انعدام أمن المياه.
ولا يقف الخطر عند نقص الكمية، إذ يرفع تضرر شبكات الصرف الصحي وتراكم النفايات ومحدودية المياه الآمنة مخاطر انتشار الأمراض، خصوصاً داخل تجمعات النزوح المكتظة.
وفي الوقت نفسه، لا تزال أزمة الغذاء تضغط على غالبية الأسر، وتشير أحدث المعطيات الإنسانية إلى أن نحو 1.4 مليون فلسطيني يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وبين الأول والسابع من سبتمبر، حصلت نحو 51 ألف أسرة تضم أكثر من 205 آلاف شخص على مساعدات غذائية عينية، لكن محدودية المخزون جعلت الحصة المقدمة للأسرة الواحدة تغطي نحو نصف الحد الأدنى من احتياجات السعرات الحرارية.
وهنا تتداخل أزمتا الغذاء والمياه مع الصحة، فالجسد الذي لا يحصل على تغذية كافية يصبح أقل قدرة على مقاومة المرض، فيما ترفع المياه غير المأمونة وسوء الصرف الصحي احتمالات الإصابة بالأمراض، لتنتقل الأزمة مجدداً إلى المستشفى.
المستشفى نفسه يحتاج إلى إنقاذ
لكن الوصول إلى المستشفى لا يعني نهاية رحلة الخطر، فالمنظومة الصحية التي يفترض أن تستقبل تداعيات الجوع والتلوث والنزوح تعمل هي الأخرى وسط أزمة طاقة ومعدات وصيانة.
وتحذر البيانات الإنسانية الصادرة هذا الشهر من تأثير نقص زيوت المحركات وقطع الغيار على تشغيل المولدات التي تعتمد عليها الخدمات الصحية والمياه والصرف الصحي.
وتشير “أوتشا” في تقرير لها صدر بتاريخ 11 سبتمبر الجاري، إلى أنه منذ مارس وحتى موعد إعداد التقرير، جرت الموافقة على إدخال 13,445 لتراً فقط من زيوت المحركات، مقابل 92,778 لتراً ظلت بانتظار الموافقة، موضحة أن نحو 47% من الكميات المعلقة مطلوبة لخدمات المياه والصرف الصحي والنفايات، ونحو 25% للخدمات الصحية.
وتكشف هذه الأرقام مدى ترابط الأزمة، فزيت المحرك لم يعد مجرد مادة صيانة، بل قد يعني استمرار تشغيل مولد مستشفى أو بئر مياه أو محطة تحلية أو مضخة للصرف الصحي، وتتحول قطعة الغيار، في واقع كهذا، إلى عنصر في سلسلة البقاء نفسها.
التعليم إلى الخيمة
وفي قلب كل ذلك، يحاول أكثر من نصف مليون طالب وطالبة استعادة شيء من حياتهم المدرسية، وبدلاً من أن يكون افتتاح العام الدراسي الجديد عودة إلى الحياة الطبيعية، يأتي التعليم في غزة هذا العام محملاً بآثار الحرب والنزوح والدمار.
وقالت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، في تقرير أصدرته 16 سبتمبر الجاري، إن تدمير الغالبية العظمى من المباني المدرسية وتحويل ما تبقى منها إلى مراكز لإيواء النازحين دفع إلى اعتماد الخيام بديلاً اضطرارياً للمدارس.
وتصف الوزارة هذه الخيام بأنها تفتقر إلى أبسط مقومات البيئة التعليمية، إذ يجلس طلاب على الأرض في ظل نقص المقاعد والسبورات، فيما تجعل الظروف الجوية التعلم داخلها شديد الصعوبة.
ومن المقرر أن يبدأ التحاق الطلبة بالتعليم في غزة في 19 سبتمبر، مع استعداد الوزارة لتوفير نحو 700 نقطة تعليمية وجاهية و25 مدرسة مؤقتة، إلى جانب التعليم الافتراضي، بما يستهدف إتاحة التعليم لنحو 541 ألف طالب وطالبة وفق الإمكانات المتاحة.
لكن العودة الشكلية إلى التعليم لا تمحو ما تراكم خلال السنوات الماضية، وتقول وزارة التربية والتعليم إن الانقطاع الممتد لنحو ثلاثة أعوام أدى إلى فاقد تعليمي وأكاديمي تراكمي خطير واتساع الفجوات في المهارات الأساسية، ولا سيما القراءة والحساب والعلوم، فيما يواجه الطلبة الجرحى وذوو الإعاقة صعوبات إضافية بعد تدمير المدارس والمراكز المتخصصة.
وهنا تلتقي أزمة التعليم ببقية الأزمات مرة أخرى، فالطفل الذي يُطلب منه العودة إلى الدراسة قد يكون نازحاً في خيمة، أو يعيش مع أسرة تبحث يومياً عن الماء والغذاء، وقد تكون مدرسته الأصلية مدمرة، وطريقه إلى نقطة التعليم يمر بين الركام، فيما تصبح الأولوية داخل أسرته أحياناً لتأمين الاحتياجات الأساسية قبل الدفاتر والكتب.
حتى المبادرات التي تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه تكشف حجم الفجوة، وأفادت “يونيسف” في معطيات نشرتها في 14 سبتمبر الجاري، بأن أنشطة تعليمية وترفيهية مدعومة منها وصلت خلال الصيف إلى نحو 300 ألف طفل في قطاع غزة والضفة الغربية، في محاولة للجمع بين تعويض جانب من الفاقد التعليمي وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي استعداداً للعام الدراسي.
وبذلك، لم يعد التعليم ملفاً منفصلاً عن الأزمة الإنسانية، بل واحداً من أكثر تعبيراتها وضوحاً، المدرسة نفسها أصبحت بحاجة إلى مأوى، والطالب يحتاج إلى الغذاء والماء والأمان قبل أن يستطيع الجلوس أمام كتاب.
حين تجرّ الأزمة أختها
في غزة، يمكن رسم سلسلة طويلة تبدأ من شيء بسيط ظاهرياً، الخيمة المهترئة تجعل الأسرة أكثر تعرضاً للبرد والمطر، وتضرر الصرف الصحي والمياه يرفع خطر المرض، وسوء التغذية يضعف قدرة الجسد على مقاومته، والمريض يصل إلى مستشفى يعاني نقص الطاقة والمستلزمات، والشاحنة المتعطلة تعني تأخر نقل الغذاء أو النفايات، والطفل الذي يعيش كل ذلك يُطلب منه في الصباح أن يعود إلى الدراسة.
وحتى المساحة تضيق على هذه المحاولات، فمع استمرار القيود على الوصول إلى أجزاء واسعة من القطاع، يتكدس السكان والخدمات ومواقع النزوح والنقاط التعليمية والمرافق الصحية في رقعة محدودة، ما يزيد الضغط على بنية تحتية تعرضت أصلاً لدمار واسع.
ولذلك، لا تصف أرقام سبتمبر أزمات منفصلة يمكن التعامل مع كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى؛ بل تكشف منظومة إنسانية شديدة الهشاشة، يمكن لتعطل جزء واحد منها أن يضغط على بقية أجزائها.
البقاء معركة يومية
بعد سنوات من الحرب والنزوح، تغير معنى الاحتياجات الأساسية بالنسبة إلى عائلة في غزة، المأوى ليس منزلاً بالضرورة، بل مكاناً لا يسقط فوق ساكنيه ولا تغرقه الأمطار، والماء ليس خدمة تصل عبر شبكة مستقرة، بل كمية ينبغي البحث عنها وحملها وترشيدها، والطعام ليس وجبات متكاملة، بل محاولة لتوفير الحد الأدنى، والمستشفى ليس مؤسسة تعمل بصورة طبيعية، بل منظومة تحاول الاستمرار رغم نقص الطاقة والمستلزمات، والمدرسة لم تعد دائماً بناءً وفصلاً ومقعداً، بل قد تكون خيمة يجلس فيها أطفال يحاولون استعادة سنوات ضاعت من أعمارهم التعليمية.
لهذا تبدو الأزمة الإنسانية في غزة اليوم أوسع من مجموع أرقامها، فخلف 1.98 مليون إنسان يحتاجون إلى المأوى، و91% من الأسر تعاني انعدام أمن المياه، ونحو 1.4 مليون يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، و541 ألف طالب يحاولون العودة إلى التعليم، توجد عائلات مطالبة كل صباح بإعادة ترتيب أولويات النجاة من جديد.
وفي مكان أصبحت فيه الخيمة منزلاً ومدرسة أحياناً، والمولد شرياناً للمستشفى والمياه، والشاحنة حلقة في وصول الغذاء والخدمات، لم تعد معركة الغزيين مرتبطة بأزمة واحدة يمكن تجاوزها.
إنها معركة يومية من أجل البقاء؛ كلما ضعفت فيها حلقة، جذبت معها بقية مقومات الحياة إلى حافة أزمة جديدة.

