
القدس المحتلة – المركز الفلسطيني للإعلام
إضعاف الدول العربية بدل الرهان على استقرارها، وتوسيع السيطرة على الأرض بدل الفصل السياسي، وتحويل الحرب إلى حالة دائمة بدل التعامل معها استثناء، بهذه الملامح ترصد دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي «INSS»، أحد أبرز مراكز البحث الاستراتيجي والأمني في دولة الاحتلال، تحولا يتجاوز أساليب القتال إلى إعادة تعريف الأمن وهوية الدولة نفسها.
وتبحث الدراسة، التي أعدّها مدير المعهد والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية “أمان”، تامير هايمان، ونُشرت نسختها الإنجليزية في 12 أكتوبر الجاري، المبادئ التي ترى أنها أصبحت توجه جوانب أساسية من السياسة الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023، رغم عدم إعلانها في وثيقة رسمية أو إقرارها بإجراءات مؤسسية واضحة.
ولا تقدم الدراسة هذه المبادئ باعتبارها توصيات يتبناها المعهد، بل تصفها بأنها قراءة نظرية ذاتية تستخلص من السياسات المطبقة، ثم تُخضعها لنقد يطال قدرتها على توفير الأمن، وكلفتها الاقتصادية والاجتماعية، وانعكاساتها على علاقة دولة الاحتلال بمحيطها والعالم.
وتكمن أهمية صدورها عن المعهد في أنها تضع السياسات الإسرائيلية أمام مساءلة من داخل دوائر البحث الأمني والاستراتيجي، لا من خارجها.
الدول العربية.. الاستقرار يصبح عائقا
من أخطر المبادئ التي تستخلصها الدراسة من السلوك الإسرائيلي الراهن، التشكيك في الوجود القومي المستقل لمعظم الدول العربية، وتصويرها تجمعات قبلية وإثنية تفتقر إلى تاريخ مشترك ورؤية وطنية تأسيسية.
وبموجب هذا التصور، لا يعود تفكك الدول المحيطة خطرا ينبغي احتواؤه، بل مسارا يمكن تشجيعه، على أساس أن دولة الاحتلال أقدر على التعامل مع كيانات ضعيفة ومجزأة من التعامل مع دول قومية قوية ومتماسكة.
وهذه الفكرة، كما تعرضها الدراسة، تمنح زعزعة الاستقرار وظيفة استراتيجية، إذ تصبح قوة الجوار وتماسكه تحديا، بينما يتيح ضعفه مساحة أوسع للتدخل وفرض الوقائع.
ولا تثبت هذه القراءة وجود قرار حكومي معلن بتفكيك دولة عربية بعينها، لكنها تنبّه إلى منطق ترى أنه حاضر في السياسة المنفذة، بناء الأمن الإسرائيلي على اختلال موازين القوة لمصلحة دولة الاحتلال، وصولا إلى اعتبار إضعاف الدول المحيطة غاية يمكن العمل عليها، لا مجرد نتيجة جانبية للحروب.
السلام اتفاق تحت الاختبار
يتكامل هذا التصور مع تراجع مكانة السلام في العقيدة التي تحللها الدراسة، فالترتيبات مع الأطراف العربية تُعامل، وفقًا لها، باعتبارها مؤقتة ومضللة، ويُنظر إلى السعي وراء السلام بوصفه تكرارا للافتراضات التي انهارت في السابع من أكتوبر.
وعوض أن تكون الاتفاقات أصولا استراتيجية تُصان لأنها تتيح الاستقرار والازدهار، تتحول إلى ترتيبات تقنية تخضع لإعادة تقييم مستمرة بحسب فائدتها في تحقيق أهداف أخرى.
وتلفت الدراسة إلى البعد السياسي الداخلي لهذا التحول، إذ يجري ربط السلام بالسذاجة وباليسار، في مقابل تقديم الأمن بوصفه حكرا على اليمين، بما يصنع تعارضا بين مفهومين كان يُفترض إمكان الجمع بينهما.
لكن المعهد يضع هذا المنطق أمام سؤال مضاد: هل يؤدي التعامل مع الاتفاقات باعتبارها مؤقتة بطبيعتها إلى تقويضها فعلا، وتحويل الشك فيها إلى نبوءة تحقق ذاتها؟ وما الثمن الذي تدفعه دولة الاحتلال دوليا حين تتبنى تصورا يصطدم بالمعايير الأساسية التي تعلنها الدول الغربية بشأن الاستقرار وتسوية النزاعات؟
الحرب لا تنتهي بانتهاء المعركة
في الجانب العسكري، ترصد الدراسة تصورا يجعل الحرب عنصرا تأسيسيا في الأمن القومي، لا شرا مؤقتا يُلجأ إليه لتحقيق هدف محدد ثم يُسعى إلى إنهائه.
وتصبح فترات الهدوء، في هذا المنطق، موضع اشتباه، ويُقدَّم السعي إلى تجنب المواجهة باعتباره ضعفا، أما الحرب الوقائية فتكتسب أفضلية لأنها تمنح إنجازا أوليا قبل أن يتمكن الخصم من المبادرة.
وبحسب الدراسة، قد تتبدل شدة الحرب تبعا للظروف، لكن استمرار حضورها يُعامل باعتباره مكسبا أمنيا، ويقترن ذلك بمنح الهجوم والضربات الاستباقية المفاجئة أولوية مطلقة على الدفاع، انطلاقا من افتراض أن تعذر ضمان الإنذار المبكر أو الصمود أمام المفاجأة يستوجب المبادرة المتواصلة بالقتال.
وفي نقدها لهذا الاتجاه، تسأل الدراسة عما يبقى من إدارة المخاطر إذا أصبح استخدام القوة هو الخيار الافتراضي، وعن أثر الحرب الطويلة على المجتمع والاقتصاد والثقافة.
وتقارن ذلك بالتصور التقليدي الذي تعرضه بوصفه قائما على بناء الدولة خلال فترات الهدوء، وتجميع الموارد الاقتصادية والاجتماعية التي تُستهلك عند الحرب، أما حين تتحول الحرب إلى وضع طبيعي، فإن القدرة على تعويض ما تستنزفه تصبح موضع شك.
إنكار الوطنية وتوسيع الاستيطان
تُفرد الدراسة مساحة واضحة للمسألة الفلسطينية، وتصف تصورا يرفض الاعتراف بأصالة الحركة الوطنية الفلسطينية، ويختزل الصراع في مواجهة عربية دائمة مع الاحتلال.
وبموجب هذا المنطق، تُقدَّم الوطنية الفلسطينية باعتبارها رواية غربية مرتبطة بالشعور بالذنب تجاه الاستعمار، بدل التعامل معها حركة تحرر وشعبا صاحب مطالب سياسية ووطنية.
وتترتب على ذلك، وفق الدراسة، معارضة مبدئية لأي فصل سياسي أو جغرافي أو أمني بين دولة الاحتلال وكيان فلسطيني، ورفض إقامة دولة فلسطينية، وفي المقابل، يُربط تحقيق الأمن بتوسيع الاستيطان داخل الخط الأخضر وخارجه، مع التعامل مع هذا الخط باعتباره حدا غير ذي اعتبار.
أما الفلسطينيون الذين يبقون تحت السيطرة الإسرائيلية، فيُطرح لهم، ضمن التصور الذي تعرضه الدراسة، وضع يقوم على حقوق الإقامة والإدارة المحلية الذاتية، بدل السيادة الوطنية.
وهنا يتجاوز التحول إدارة الصراع إلى إغلاق أفق حله سياسيا، إذ تصبح السيطرة على الأرض والسكان جزء من تعريف الأمن، ويغدو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية نقيضا لهذا التعريف.
المستوطنون في قلب منظومة القتال
ولا يتوقف دور الاستيطان عند السيطرة الجغرافية، بل يمتد إلى إعادة توزيع المسؤولية الأمنية بين الجيش والمستوطنون، فالدراسة ترصد عودة إلى نموذج يجعل التجمعات السكانية والبؤر المتقدمة جزء من شبكة الدفاع، بدل حصر هذه المهمة بالقوات المسلحة.
ويشمل التصور الذي تحلله إنشاء تجمعات وبؤر في مناطق الاحتكاك مع السكان العرب، وفي الضفة الغربية، وكذلك في المناطق الأمنية داخل سورية ولبنان وقطاع غزة.
ويتصل ذلك بمفهوم الدفاع المتقدم، السيطرة على مساحات تتيح إبعاد المواجهة ونقل الحرب سريعا إلى أرض الخصم، وتوضح الدراسة أن هذا الدفاع لا يناقض المبادرة الهجومية، بل يمكن أن يصبح مرحلة تحضيرية لها، أو هجوما مؤجلا.
لكنها تنتقد وضع المستوطنين في مواقع تؤدي وظيفة خط الدفاع الأول، متسائلة عما إذا كان ذلك يقلب مسؤولية الدولة التي يفترض أن يحمي جيشها السكان، لا أن تجعل وجودهم وسيلة لحماية انتشارها.
كما تطرح سؤالًا عن الكلفة الأمنية والاقتصادية والدولية لاستبدال الحدود المحددة بمناطق دفاعية مرنة ومتغيرة، تتسع كلما اتسع تعريف الخطر.
الاستغناء عن واشنطن.. استقلال أم عزلة؟
يمتد التحول الذي ترصده الدراسة إلى أحد أهم مرتكزات القوة الإسرائيلية، العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، فالتصور الجديد، كما تعرضه، يفترض أن الأمن يمكن أن يستند إلى القدرات الذاتية وحدها، وأن واشنطن قوة متراجعة قد تتخلى عن دولة الاحتلال بفعل تحولاتها السياسية والاجتماعية، كما ينظر إلى الالتزام بالقيود الأميركية باعتباره خطرا على حرية الحركة الإسرائيلية.
وتضاف إلى ذلك حجة تتعلق بالهوية، إذ يُصوَّر الاعتماد على الولايات المتحدة بوصفه مدخلا لتأثير قيم أميركية تقدمية لا تنسجم مع الطابع اليهودي للدولة.
غير أن الدراسة تواجه هذا التوجه بمحدودية الموارد الإسرائيلية، وصغر المساحة، والاعتماد العميق على التجارة والعلوم والتكنولوجيا العالمية، وتسأل عما إذا كانت العلاقات القائمة على المصالح التجارية وحدها تستطيع تعويض غطاء قوة كبرى.
ويرتبط ذلك بالدعوة إلى إعطاء الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي أولوية على قطاعات أخرى، وتقليص الاعتماد على سلاسل الإمداد والتعاون العلمي الدولي.
وتحذر الدراسة من احتمال أن يقود هذا المسار إلى ركود تكنولوجي وعزلة دبلوماسية، بدل الاستقلال المنشود.
تغيير العقيدة أم تغيير الدولة؟
داخليًا، تضع الدراسة تقديم الهوية اليهودية على الديمقراطية في مقدمة المبادئ التي ترصدها، حتى لو جاء ذلك على حساب القيم الديمقراطية والمساواة مع الهويات الأخرى.
وتسأل عن النتائج بعيدة المدى لجعل المرجعيات الدينية إطارا لترتيب الأولويات الأمنية، وعن توافق تقليص الحقوق المدنية للفلسطينيين الموجودون في الداخل مع تعريف الدولة لنفسها بأنها يهودية وديمقراطية.
وتنبع هذه الأسئلة من الفكرة المركزية للدراسة: العقيدة الأمنية تقع بين هوية الدولة والسياسات اليومية لحكوماتها؛ ولذلك فإن تغييرها بصورة عميقة قد يكشف تحولا في الهوية، لا مجرد تعديل في الوسائل العسكرية.
ولا يُلزم عرض الدراسة للتصور التقليدي بتبني صورتها عن الماضي الإسرائيلي، فهي تستند في المقارنة إلى المبادئ المعلنة وتصور المؤسسة الأمنية عن نفسها، ولا تقدم مراجعة شاملة لتاريخ الاحتلال والحروب، لكن ما تكشفه عن الاتجاه الراهن يظل واضحا، اتساع المسافة بين الأمن بوصفه شرطا للحياة، والحرب بوصفها طريقة دائمة لتنظيمها.
وتخلص الدراسة إلى ضرورة إعلان هذه الافتراضات وإخضاعها لنقاش عام، لتحديد ما إذا كانت استجابة ضرورية لواقع أمني متغير، أم تحولا عميقا وغير خاضع للمراجعة في هوية دولة الاحتلال.
أما بالنسبة إلى الفلسطينيين والمحيط العربي، فدلالة التحذير أبعد من الجدل الداخلي الإسرائيلي، حين يُربط الأمن بتوسيع الاستيطان، وإنكار الدولة الفلسطينية، وإضعاف الجوار، تصبح نهاية المعركة غير كافية لإنهاء أسباب الحرب.

