نزيف “هجرة العقول” ينهك الاحتلال.. 1400 طبيب يغادرون خلال 3 سنوات

هجرة الأطباء من إسرائيل

القدس المحتلة – المركز الفلسطيني للإعلام

لا تقتصر تداعيات الأزمات السياسية والحرب في دولة الاحتلال على مؤشرات الاقتصاد أو الاستقطاب الداخلي، إذ بدأت تظهر بصورة أكثر وضوحاً في سوق الكفاءات، مع تصاعد مغادرة أصحاب المهن والتخصصات الحيوية إلى الخارج، وفي مقدمتهم الأطباء والأكاديميون والمهندسون.

وأظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعة “تل أبيب”، أن نحو 1400 طبيب غادروا دولة الاحتلال خلال الفترة بين عامي 2023 و2025، وهي السنوات التي بدأت مع الإعلان عن خطة التغييرات القضائية، قبل أن تتسع الأزمة مع اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023.

وبحسب الدراسة، التي نشرتها صحيفة “هآرتس” العبرية، بلغ عدد الأطباء الذين غادروا دولة الاحتلال خلال السنوات الثلاث 1370 طبيباً على الأقل، بزيادة تقارب 94% مقارنة بالفترة المماثلة قبل عشر سنوات.

ولا تتوقف دلالة الرقم عند عدد الأطباء الذين غادروا البلاد، إذ تشير الدراسة إلى أن دولة الاحتلال بعد احتساب الأطباء الذين عادوا إليها عقب فترات تخصص أو تدريب في الخارج، خسرت في المتوسط 255 طبيباً سنوياً خلال الفترة محل الدراسة، أي نحو خمسة أضعاف المتوسط السنوي المسجل خلال العقد السابق.

من الاحتجاج إلى قرار الرحيل

أجريت الدراسة على يد البروفيسور “إيتاي أتر” من كلية كولر للإدارة في جامعة “تل أبيب”، والبروفيسور “نيتاي برغمان” رئيس كلية برغلاس للاقتصاد، وطالب الدكتوراه “دورون زامير”، وهي مجموعة سبق لها أن تابعت ظاهرة خروج أصحاب الكفاءات منذ عام 2023.

ويربط الباحثون تصاعد الظاهرة بسلسلة من التطورات التي شهدتها دولة الاحتلال خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بدءاً من خطة التغييرات القضائية التي طرحتها حكومة بنيامين نتنياهو، ثم الحرب على غزة وما رافقها من أعباء اقتصادية واجتماعية، وصولاً إلى اتساع الفجوات الداخلية بشأن الخدمة العسكرية وتوزيع أعبائها.

ويقول البروفيسور “إيتاي أتر”، إن الاقتصاديين حذروا منذ عام 2023 من أن خطوات الحكومة يمكن أن تدفع أصحاب المهارات المطلوبة، ممن يمتلكون القدرة على الانتقال إلى الخارج إلى المغادرة.

وبحسب “أتر”، فإن الدراسة الجديدة تأتي في إطار محاولة اختبار ما إذا كانت تلك التحذيرات قد تحولت بالفعل إلى ظاهرة قابلة للقياس.

الأطباء حالة خاصة

استخدم الباحثون تعريف دائرة الإحصاء المركزية الصهيونية للمهاجر المغادر، بحيث اعتُبر الطبيب مهاجراً إذا أمضى أكثر من 270 يوماً خارج دولة الاحتلال خلال السنة الأولى من مغادرته، ولم يعد للإقامة فيها لأكثر من ثلاثة أشهر متواصلة.

كما قصر الباحثون العينة على الأشخاص الذين أقاموا في دولة الاحتلال ثلاث سنوات على الأقل قبل مغادرتهم، بهدف استبعاد فئات قد تؤثر في دقة النتائج، ومن بينها مهاجرون قدموا إلى دولة الاحتلال بعد الغزو الروسي لأوكرانيا ثم غادر بعضهم البلاد لاحقاً.

وتكتسب هذه المنهجية أهمية في قراءة الأرقام، خصوصاً أن حركة الأطباء بين دولة الاحتلال والخارج لا ترتبط دائماً بالهجرة الدائمة؛ إذ يغادر بعض الأطباء البلاد للتخصص أو التدريب ثم يعودون إليها.

لكن حتى بعد احتساب العائدين، تقول الدراسة إن صافي خسارة دولة الاحتلال من الأطباء ارتفع إلى متوسط 255 طبيباً سنوياً، وهو معدل يفوق بخمسة أضعاف المتوسط المسجل في العقد السابق.

والأكثر إثارة للقلق في الدراسة ليس فقط عدد الأطباء المغادرين، وإنما أعمارهم، فقد درس الباحثون بصورة خاصة الأطباء الذين تزيد أعمارهم على 45 عاماً، وهي الفئة التي أنهت في الغالب مراحل التخصص واكتسبت خبرة مهنية، والتي يفترض أن تؤدي دوراً أساسياً في تدريب الأطباء الجدد ونقل الخبرات داخل النظام الصحي.

وتظهر البيانات ارتفاع حصة هذه الفئة بين المغادرين، إذ أصبح طبيب واحد من كل خمسة أطباء مغادرين فوق سن 45 عاماً خلال الفترة 2023-2025، مقارنة بطبيب واحد من كل سبعة خلال العقد السابق.

وتعني هذه الأرقام أن خسارة النظام الصحي لا تقتصر على عدد من الممارسين الذين يمكن تعويضهم مع مرور الوقت، بل تشمل أيضاً أطباء ذوي خبرة يفترض أن يكونوا في مرحلة إنتاجية ومهنية متقدمة.

وتبدو الصورة أكثر حدة عند النظر إلى التخصصات الطبية، فقد غادر دولة الاحتلال خلال فترة الدراسة 116 طبيباً من تخصصات الأنف والأذن والحنجرة والأمراض الجلدية وطب العيون، أي نحو 6.2% من إجمالي الأطباء العاملين في هذه التخصصات.

وترتفع النسبة بصورة كبيرة عندما يقتصر الحساب على الأطباء الذين تقل أعمارهم عن 60 عاماً، إذ تصل إلى 9.4%.

وتشير الدراسة كذلك إلى مغادرة 188 جراحاً خلال السنوات الثلاث، بما يعادل نحو 6% من إجمالي العاملين في مجال الجراحة، فيما تصل النسبة إلى 8.8% بين الجراحين الذين تقل أعمارهم عن 60 عاماً.

وتحمل هذه الأرقام أهمية خاصة لأن فقدان طبيب اختصاصي لا يعني خسارة وظيفة فحسب، بل يعني خسارة سنوات من التعليم والتدريب والخبرة المتراكمة، فضلاً عن قدرة النظام الصحي على تدريب أطباء جدد وتوفير الخدمات التخصصية للمرضى.

الاعتماد على الأطباء المتقاعدين

تأتي هذه المعطيات في وقت يواجه فيه النظام الصحي الصهيوني مشكلة ديموغرافية أخرى، فقد كشف تقرير لوزارة المالية، نشر الأسبوع الماضي، أن نحو 24% من الأطباء الاختصاصيين في المستشفيات الحكومية سيقتربون من سن التقاعد خلال السنوات المقبلة.

والأكثر دلالة أن نحو ربع الأطباء العاملين في دولة الاحتلال تجاوزوا بالفعل سن التقاعد، لكنهم يواصلون العمل بسبب النقص في أعداد الأطباء.

وبذلك تتقاطع ظاهرتان في اتجاه واحد: أطباء كبار في السن يقتربون من الخروج من سوق العمل، وأطباء أصغر سناً وذوو اختصاصات مطلوبة يغادرون البلاد.

وإذا استمر الاتجاه، فإن الفجوة بين عدد الأطباء الذين يحتاجهم النظام الصحي والعدد المتاح للعمل قد تتسع، خصوصاً في التخصصات التي تتطلب سنوات طويلة من التدريب.

ما بعد الحرب والانتخابات

لا يرى الباحثون أن الأرقام الحالية تمثل بالضرورة ذروة الظاهرة، فالبروفيسور “أتر” يعتبر أن السؤال الأهم يتعلق بما سيحدث بعد الحرب، وبالخصوص بعد الانتخابات المقبلة، وما إذا كانت ستشهد البلاد تحولاً في الاتجاه السياسي الذي غذّى، بحسب الباحثين، المخاوف لدى قطاعات من أصحاب الكفاءات.

ويحذر “أتر” من أنه إذا لم يتغير المسار الحالي، فقد تصبح الأرقام الحالية أكثر إيلاماً في السنوات المقبلة، وهنا تتجاوز قضية هجرة الأطباء حدود القطاع الصحي إلى سؤال أوسع يتعلق بقدرة دولة الاحتلال على الاحتفاظ برأس مالها البشري.

فالأطباء ليسوا سوى واحدة من الفئات التي رصدت الدراسات السابقة زيادة في معدلات مغادرتها منذ عام 2023، إلى جانب الأكاديميين والمهندسين والعاملين في قطاعات التكنولوجيا.

وتكمن المشكلة بالنسبة إلى الاقتصاد في أن الكفاءات التي تغادر لا تأخذ معها وظائفها فقط، بل تحمل معها سنوات من التعليم والتدريب والخبرة وشبكات العلاقات المهنية.

وفي حالة الأطباء تحديداً، فإن إعداد طبيب اختصاصي يحتاج إلى سنوات طويلة من الدراسة والتدريب، ما يجعل تعويض طبيب يغادر البلاد عملية أبطأ بكثير من تعويض عامل في مهنة يمكن تدريب موظفين جدد عليها خلال فترة قصيرة.

كما أن الطبيب الذي يغادر في سن مهنية متقدمة يمثل خسارة مزدوجة، النظام الصحي يفقد خدماته، ويفقد في الوقت نفسه أحد العناصر القادرة على تدريب الأجيال الجديدة، ومن هنا تكتسب نسبة مغادرة الأطباء فوق سن 45 عاماً أهمية خاصة في قراءة الدراسة.

ظاهرة تتجاوز الأطباء

ولا تقدم دراسة جامعة تل أبيب رقماً عن حجم “هجرة العقول” بكل فئاتها، لكنها تضيف مؤشراً جديداً إلى ظاهرة أوسع كان الباحثون أنفسهم يتابعونها منذ عام 2023.

فإذا كان خروج أصحاب الكفاءات قد بدأ بوصفه احتمالاً يحذر منه اقتصاديون وأكاديميون، فإن بيانات الأطباء تقدم الآن دليلاً كمياً على أن جزء من هذه المخاوف تحول إلى سلوك فعلي.

والقلق الأكبر، وفق الباحثين، لا يتعلق بعدد الـ1370 طبيباً الذين غادروا خلال ثلاث سنوات فقط، وإنما بالاتجاه الذي تكشفه الأرقام، زيادة صافي خسارة الأطباء، ارتفاع مغادرة أصحاب الخبرة، وضرب تخصصات طبية حساسة، في وقت يقترب فيه عدد كبير من الاختصاصيين الأكبر سناً من سن التقاعد.

وبينما تنشغل دولة الاحتلال بتداعيات الحرب والاستقطاب السياسي، تتشكل أزمة أخرى أكثر هدوء داخل الجامعات والمستشفيات وقطاعات الاقتصاد المتقدم، من سيبقى لإدارة هذه المؤسسات وتدريب الأجيال الجديدة إذا واصل أصحاب الكفاءات النظر إلى الخارج بوصفه خياراً أفضل؟

ذلك أن هجرة العقول لا تظهر بالضرورة في لحظة واحدة كأزمة وطنية، لكنها تتراكم تدريجياً؛ طبيب يغادر، وباحث لا يعود، ومهندس ينقل عمله إلى الخارج، وأستاذ جامعي يقرر بناء مستقبله في بلد آخر، ومع كل حالة، لا تخسر دولة الاحتلال موظفاً فحسب، بل تخسر جزء من رأس مال بشري استغرق بناؤه سنوات طويلة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest