
المركز الفلسطيني للإعلام
«ابني عمره سبع سنين، شو ذنبه يرفضوه؟».. بهذه الكلمات المثقلة بالقهر، تختصر والدة الطفل محمد الجبالي مأساة صغيرها الذي يواجه مرض السرطان في جسد أنهكه الألم، فيما تقف محاولات أسرته لنقله إلى العلاج خارج قطاع غزة أمام أبواب مغلقة بسبب الفيتو الأمني الصهيوني ورفض متكرر لمرافقيه، حتى باتت رحلة إنقاذ حياته معركة أخرى لا تقل قسوة عن المرض نفسه الذي فاقمه حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية.
منذ تشخيص إصابة محمد بسرطان الدم في نيسان/أبريل الماضي، تعيش والدته على أمل أن يجد طفلها طريقًا إلى العلاج قبل أن تتدهور حالته أكثر. لكن الأشهر مضت، وحلّ تشرين الأول/أكتوبر، ولا يزال الصغير ينتظر فرصة للسفر، فيما يزداد وضعه الصحي خطورة، وتضيق أمام أسرته سبل النجاة، فيما تواصل آلة القهر الإسرائيلي حصارها على أبناء غزة حتى المرضى منهم.
محمد.. جسد صغير يصارع سرطانًا شرسًا
داخل أحد مستشفيات قطاع غزة، يرقد محمد الجبالي، ابن السنوات السبع، مثقلًا بمرض لا يحتمل التأجيل. وتقول الطبيبة المختصة ميسون حجازي إن الطفل شُخّص قبل نحو ستة أشهر بسرطان الدم الليمفاوي الحاد، وهو مرض يصيب خلايا الدم البيضاء ويؤثر في جهاز المناعة، ويحتاج إلى علاج متخصص ومتابعة طبية دقيقة.
وتوضح حجازي أن حالة محمد شهدت تدهورًا خطيرًا خلال الأسبوع الماضي، استدعى إدخاله إلى وحدة العناية المركزة، حيث احتاج إلى التنفس الاصطناعي وأدوية لرفع ضغط الدم، مشيرة إلى أن وضعه الصحي لا يزال غير مستقر، وأنه بحاجة ماسة إلى العلاج.
وبين أجهزة العناية المركزة وأصواتها، لا يخوض محمد معركته مع المرض وحده؛ فهناك أم تترقب كل تحسن في حالته، وأسرة تستنزفها محاولات متكررة لانتزاع فرصة قد تنقذ حياة طفلها، بينما يظل الوقت عاملًا بالغ الخطورة في ظل حاجته إلى رعاية تخصصية عاجلة.

أمّ تستغيث: رفضوا الجميع.. فما ذنب طفلي؟
بصوت أم أنهكها الانتظار، تروي والدة محمد تفاصيل رحلة البحث عن مخرج لطفلها، قائلة إن إصابته بسرطان الدم شُخّصت في نيسان/أبريل، وإنه لم يتمكن حتى الآن من السفر لتلقي العلاج اللازم، رغم تدهور حالته الصحية ووصوله إلى مرحلة استدعت العناية المركزة.
وتضيف أن الأسرة تقدمت بطلبات للسفر إلى الأردن، لكنها اصطدمت بـ “الفيتو الأمني” ورفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي المرافقين واحدًا تلو الآخر؛ إذ رُفض والده وشقيقه، ثم رُفض طلب سفرها برفقة ابنتها، وبعد ذلك لم تُقبل طلبات أعمامه، وصولًا إلى عمته التي كانت آخر خيار متاح أمام الأسرة، لكنها رُفضت أيضًا مع الطفل.
وتتساءل الأم بحرقة: «طب الطفل إزنبو؟ سبع سنين عمره، إزنبو يرفضوه يعني؟»، في صرخة تختصر عجزها أمام إجراءات تحرم صغيرها من فرصة العلاج، وتتركها معلقة بين الخوف من فقدانه والأمل في أن يُفتح له طريق النجاة.
فمحمد لا يطلب امتيازًا، ولا ينتظر سوى حقه في الوصول إلى العلاج، فيما تتحول موافقات السفر من قبل سلطات الاحتلال، التي يفترض أن تكون سبيلًا إلى إنقاذ حياته، إلى عقبة إضافية في طريق طفل لا يملك من أمره شيئًا.

رسالة من غزة إلى العالم: أنقذوا طفولته قبل فوات الأوان
من داخل المستشفى، يوجه الطاقم الطبي رسالة إنسانية إلى العالم، محذرًا من أن محمد ليس الطفل الوحيد الذي ينتظر فرصة للعلاج خارج القطاع، بل واحد من أطفال كثيرين يواجهون المصير ذاته، في ظل صعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية التخصصية واستمرار القيود على مغادرة المرضى قبل حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية وبعدها.
وتؤكد الرسالة أن هؤلاء الأطفال لا يعرفون من الحياة سوى أحلام صغيرة، وأن حرمانهم من العلاج من قبل الكيان الإسرائيلي يحوّل المرض إلى تهديد مباشر لمستقبلهم، مطالبة بمنحهم فرصة حقيقية للحياة وعدم تركهم يواجهون مصيرهم بسبب إغلاق الحدود وعرقلة سفرهم.
وتقول الرسالة: «محمد وأطفال غزة لا يحتاجون إلى الشفقة، بل إلى فرصة للحياة»، في نداء يتجاوز حدود المستشفى ليصل إلى ضمير العالم، مطالبًا بالتدخل العاجل لتأمين سفر المرضى، ولا سيما الأطفال الذين تتطلب حالاتهم علاجًا لا يتوافر لهم داخل القطاع.

مرضى السرطان في غزة.. معاناة تتجاوز حدود المرض
تتفاقم معاناة مرضى السرطان في قطاع غزة في ظل تراجع قدرة المنظومة الصحية على توفير العلاج التخصصي، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، والأضرار التي لحقت بالمستشفيات خلال الحرب، إلى جانب القيود المفروضة على حركة المرضى وإجلائهم للعلاج خارج القطاع.
وبالنسبة إلى الأطفال المصابين بأمراض خطيرة، لا يقتصر التحدي على مواجهة المرض، بل يمتد إلى تأمين الأدوية والفحوصات والرعاية اللازمة، والوصول في الوقت المناسب إلى مراكز متخصصة قد تتوقف فرص العلاج فيها على سرعة السفر.
وفي حالة محمد، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا مع عدم استقرار وضعه الصحي ودخوله العناية المركزة؛ فكل يوم يمر دون حصوله على العلاج المطلوب يزيد قلق أسرته، ويجعل الاستجابة العاجلة ضرورة لا تحتمل التأجيل.
محمد الجبالي ليس رقمًا في قوائم المرضى، بل طفل في السابعة من عمره، له حق في الحياة والعلاج، وأمّ تتشبث بأمل أن يعود إلى بيته معافى. وبين صراع الجسد مع السرطان وأبواب السفر المغلقة، يبقى النداء واضحًا: افتحوا الطريق أمام محمد، وأنقذوا طفولته قبل أن يصبح الانتظار خسارة لا يمكن تعويضها.

