من هو محمد عزيز الذي استقبل محمد الضيف في الضفة الغربية؟

محمد عزيز والضيف

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

أعاد التحقيق الاستقصائي الذي بثه برنامج ما خفي أعظم على قناة الجزيرة، وأورد فيه شهادة نادرة للقائد العام السابق لكتائب القسام محمد الضيف، تسليط الضوء على شخصية محمد عزيز رشدي، أحد قادة الرعيل الأول للعمل العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام في الضفة الغربية، والذي كان له دور في استقبال مجموعات غزة ومساعدتها على بناء حضورها العسكري في المنطقة مطلع تسعينيات القرن الماضي.

واستحضر الضيف، خلال حديثه عن انتقاله ومجموعته إلى الضفة الغربية، لقاءه بمحمد عزيز، واصفاً إياه بأنه كان “حاراً وغريباً جداً من نوعه”، بعدما فوجئ بوصول مجموعة من غزة تحمل أسلحتها، وقال إن عزيز عبّر عن دهشته بالقول: “أنتم جايينا بجيش”.

وتكشف هذه الشهادة جانباً من طبيعة التواصل بين المجموعات التي نشأت في قطاع غزة ونظيراتها في الضفة الغربية، في مرحلة مبكرة من تشكل البنية العسكرية للقسام، كما تعيد إلى الواجهة سيرة أحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بتلك المرحلة، وهو الشهيد محمد عزيز رشدي، المعروف بلقب “الحاج بركات”.

محمد عزيز رشدي.. من مخيم العروب إلى قيادة العمل الإسلامي

ولد محمد عزيز رشدي عام 1969 في مخيم العروب شمال الخليل، ونشأ في أسرة فلسطينية مهجرة من بلدة الفالوجة، التي فقدت العائلة فيها منزلها وممتلكاتها عقب نكبة عام 1948.

وتلقى تعليمه الأساسي والإعدادي في مدارس المخيم، ثم انتقل إلى مدرسة الحسين في الخليل لدراسة الفرع العلمي، قبل أن يلتحق بمعهد إعداد المعلمين في رام الله، حيث تخصص في الرياضيات.

وخلال دراسته، برز نشاطه في الأوساط الطلابية والحركة الإسلامية، وتولى رئاسة الكتلة الإسلامية، ثم رئاسة مجلس اتحاد الطلبة في المعهد، ليصبح أحد الوجوه المعروفة بين أوساط الحركة الإسلامية في الضفة الغربية.

عرف محمد عزيز بقوة الشخصية والاهتمام بالشأن العام، إلى جانب نشاطه الاجتماعي والرياضي، إذ مارس رياضات الدفاع عن النفس، وأتقن لعبة الكاراتيه، وحصل على الحزام الأسود، كما ساهم في تدريب عدد من الشباب داخل المسجد.

الانتفاضة الأولى وبدايات الحضور التنظيمي في الخليل

مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، انخرط رشدي في فعالياتها داخل مخيم العروب، وتولى قيادة مجموعات من الشباب المشاركين في التحركات الشعبية والأنشطة التنظيمية المرتبطة بحركة حماس.

وتدرج نشاطه في العمل التنظيمي، وتعرض للاعتقال عدة مرات على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث تشير سيرته إلى اعتقاله ست مرات، خضع خلالها للتحقيق والتعذيب على خلفية انتمائه لحركة حماس ونشاطه التنظيمي.

ومع تصاعد الملاحقة الإسرائيلية، اتجه إلى العمل السري، والتحق بالمجموعات المطاردة التابعة لكتائب القسام في منطقتي الخليل وبيت لحم، ليصبح أحد أبرز المطلوبين للاحتلال اعتباراً من مايو/أيار 1993، وفق السيرة المنشورة عنه.

اللقاء بمحمد الضيف.. استقبال مجموعات غزة في الضفة الغربية

تكتسب سيرة محمد عزيز رشدي أهمية إضافية في ضوء ما كشفه محمد الضيف عن طبيعة انتقال مجموعات القسام من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، خلال مرحلة مبكرة من تأسيس العمل العسكري.

ففي شهادته المصورة، تحدث الضيف عن وصول مجموعته إلى الضفة الغربية، واللقاء الذي جمعهم بمحمد عزيز، قائلاً: “كان اللقاء حاراً وغريباً جداً من نوعه، يعني محمد عزيز يومها كان فرحاً أنه التقى أناساً من غزة قادمين مع سلاحهم”.

وأضاف الضيف، مستعيداً رد فعل عزيز على وصول المجموعة: “وصولنا للضفة الغربية ممتاز جداً، فكان مستغرباً يقول: أنتم جايينا بجيش”، مشيراً إلى أن المجموعة تمكنت لاحقاً من شراء أسلحة وقنابل وبندقية من طراز «M16» طويلة.

وتعكس هذه الشهادة أهمية الدور الذي اضطلع به عزيز في استقبال المجموعة وتسهيل اندماجها في البيئة التنظيمية بالضفة الغربية، ضمن مرحلة اتسمت بتنامي التنسيق بين المجموعات القادمة من غزة والعناصر الموجودة في الخليل ومناطق أخرى.

كما تحدث الضيف عن طبيعة العلاقات التي تشكلت بين أفراد المجموعات، مشيراً إلى أن بعض العناصر قدموا تضحيات شخصية لتوفير احتياجات العمل، ومن بينهم خالد الزير وسليم صبيح، اللذان باعا ذهب زوجتيهما لشراء السلاح.

وفي سياق الحديث عن بناء المجموعات، أوضح الضيف أنه ناقش مع محمد عزيز طريقة تنظيم العناصر، وطرحا فكرة الفصل بين أبناء غزة وأبناء الضفة، لكنهما لم يعتمداها، مفضّلين تشكيل مجموعات متداخلة، بحيث يعمل الجميع ضمن إطار واحد، مستعيداً تجربة سابقة في غزة مع عماد عقل، قال إنها قامت على أن يكونوا “أسرة واحدة متآلفة”.

اتهامات إسرائيلية بالمشاركة في 56 عملية

برز اسم محمد عزيز رشدي في قوائم المطلوبين للاحتلال خلال عام 1993، وتحدثت السيرة المنشورة عنه عن اتهامه بالمسؤولية عن المشاركة والتخطيط والإعداد والتنفيذ لأكثر من 56 عملية عسكرية في منطقة جنوب الضفة الغربية.

وشملت الاتهامات، وفق المصدر، إيواء مطاردي القسام، والعمل حلقة وصل بين الخلايا العسكرية في الضفة الغربية، إلى جانب تنظيم العناصر وتجنيدها.

كما تضمنت اتهامات إسرائيلية بالضلوع في عمليات استهدفت جنوداً ومستوطِنين، من بينها قتل ضابط متقاعد في جيش الاحتلال الإسرائيلي يدعى موردخاي ليبتن قرب مستوطنة «إفراتا» عام 1993، وقتل ضابط إسرائيلي يُدعى كوبي ومرافقه وإصابة آخر قرب بلدة دورا في محافظة الخليل.

ومن بين أبرز العمليات التي أوردتها السيرة اختطاف الإسرائيلي يارون حاييم وقتله، رداً على مقتل المطارد القسامي ماهر أبو سرور والتمثيل بجثمانه، وفق الرواية المنشورة عن رشدي.

استشهاده في اشتباك بوادي سعير عام 1993

انتهت مسيرة محمد عزيز رشدي في 13 سبتمبر/أيلول 1993، وهو اليوم الذي شهد توقيع اتفاق أوسلو، خلال اشتباك مسلح مع قوة إسرائيلية في وادي سعير قرب الخليل.

وتذكر سيرته أنه كان برفقة مجموعة من عناصر القسام في مهمة بالمنطقة، عندما اندلع الاشتباك، فأصيب رشدي، وطلب من رفاقه محمد طقاطقة وخالد الزير وعبد الرحمن حمدان وإبراهيم سلامة الانسحاب، فيما بقي لتغطية انسحابهم.

وتضيف الرواية أنه واصل المواجهة حتى استشهاده بعد إصابته بصاروخ أدى إلى إصابات قاتلة في رأسه، مشيرة إلى أن الاحتلال أقر بمقتل ستة من جنوده خلال الاشتباك.

ووري رشدي الثرى في مقبرة مخيم العروب، فيما تحولت مراسم العزاء إلى مناسبة لاستحضار سيرته ومواقفه، وفق ما ترويه السيرة المنشورة عنه.

سيرة من الرعيل الأول للعمل العسكري في القسام

مع شهادة القائد الشهيد محمد الضيف عن محمد عزيز رشدي تعود إلى الذاكرة سيرة أحد الوجوه التي ارتبطت بمرحلة التأسيس الأولى للعمل العسكري للقسام في جنوب الضفة الغربية.

وتكشف الإشارة إليه في شهادة الضيف عن طبيعة العلاقات التي ربطت المجموعات الأولى في غزة والضفة، وعن الأدوار التي اضطلع بها قادة محليون في استقبال العناصر وتوفير البيئة التنظيمية اللازمة لاندماجها، في مرحلة كانت فيها الحركة تعمل على توسيع حضورها خارج قطاع غزة.

وبينما بقيت تفاصيل كثيرة من تلك المرحلة بعيدة عن التداول الإعلامي، أعادت المشاهد والشهادات التي عرضها ما خفي أعظم إضاءة جانب من تاريخها، مستحضرة أسماء قادة كان لهم حضور مبكر في تشكيل البنية العسكرية للحركة، وكان محمد عزيز رشدي واحداً منهم.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest