
المركز الفلسطيني للإعلام
لم يعد نقص الوقود في قطاع غزة أزمةً مرتبطة بوسائل النقل أو احتياجات السكان اليومية فحسب، بل تحوّل إلى خطر مباشر يهدد قدرة المستشفيات على إبقاء أبوابها مفتوحة، بعدما بات تشغيل المولدات الكهربائية هو الشرط الأساسي لاستمرار معظم الخدمات الطبية.
وفي أحدث صور هذه الأزمة، اضطر مستشفى الكويت التخصصي الميداني “شفاء فلسطين” في محافظة خان يونس إلى تقليص خدماته الصحية والطبية بصورة حادة، وقصر عمله، ابتداءً من الأحد 20 سبتمبر/أيلول 2026، على استقبال الحالات الطارئة جدًا، عقب تلقيه إشعارًا رسميًا من منظمة الصحة العالمية بوقف إمداده بالوقود اللازم لتشغيل مولداته الكهربائية.
القرار لا يتعلق بخدمة واحدة أو قسم محدد، وإنما يطال معظم المنظومة الطبية داخل المستشفى، في وقت يعتمد فيه آلاف المرضى والنازحين في جنوب القطاع على ما يقدمه من خدمات علاجية وتشخيصية.
مستشفى بلا كهرباء.. والمولدات شريان الحياة
يقول المدير الطبي لمستشفى الكويت التخصصي الميداني، الدكتور جمال الهمص، إن إدارة المستشفى تلقت إشعارًا بتوقف تزويدها بالوقود، بعد فترة قصيرة من توقف توريد الزيوت وقطع الغيار وفلاتر المولدات.
ويشير الهمص إلى أن الكهرباء العامة متوقفة بشكل كامل منذ بداية الحرب، الأمر الذي جعل المستشفى يعتمد بصورة كلية وعلى مدار الساعة على المولدات الكهربائية لتشغيل الأجهزة الطبية الحيوية.
وهنا يتحول الوقود من مادة تشغيلية إلى جزء لا ينفصل عن العلاج نفسه؛ فالمولدات لا تشغّل الإنارة فحسب، بل توفر الطاقة اللازمة لغرف العمليات، والأجهزة الطبية، والمختبرات، والأشعة، وأقسام الولادة وغيرها من الخدمات التي لا يمكن تقديمها في ظل انقطاع الكهرباء.
وبحسب تقديرات إدارة المستشفى، يحتاج المرفق إلى نحو ألف لتر من الوقود يوميًا لضمان استمرار تشغيل جميع أقسامه ومولداته، بمعدل يتراوح بين 50 و100 لتر في الساعة.
ومع توقف الإمدادات، لم يعد أمام إدارة المستشفى سوى تقليص الخدمات إلى الحد الأدنى الذي يسمح بالتعامل مع الحالات الأكثر خطورة.
إغلاق أقسام كاملة.. وتبقى الطوارئ
شملت إجراءات التقليص توقف العمليات الجراحية، وخدمات الولادة الاعتيادية، والعيادات الخارجية، والإجراءات العلاجية، إضافة إلى خدمات الأشعة والمختبر والإسعاف ونقل المرضى.
كما طال التوقف مركز الأسنان، ومركز الأوعية الدموية والقدم السكرية، وخدمات غيار الجروح المتقدمة، إلى جانب المناظير التشخيصية والجراحية وعمليات الولادة القيصرية، وفق ما أوضحته إدارة المستشفى.
وبذلك أصبح المستشفى يعمل وفق قاعدة الطوارئ فقط؛ أي استقبال الحالات الحادة والمنقذة للحياة عبر قسم الطوارئ العامة وطوارئ الولادة.
لكن هذا التقليص لا يعني أن الحاجة إلى بقية الخدمات قد اختفت، بل يعني أن مرضى العمليات والعيادات والفحوصات الدورية والحالات المزمنة باتوا أمام خيارات محدودة في ظل واقع صحي يعاني أصلًا من نقص حاد في الإمكانات.
700 ألف نازح أمام مستشفى يتقلص دوره
تتضاعف خطورة القرار بالنظر إلى طبيعة المنطقة التي يخدمها المستشفى.
ووفق إدارة المستشفى، فإن المنشأة تخدم كتلة بشرية تقدر بنحو 700 ألف نسمة من النازحين المتكدسين في محيطها، غالبيتهم ممن نزحوا من رفح وشمال القطاع وشرق خان يونس.
ولا تتوقف أعداد المستفيدين عند هذا الحد؛ إذ يقول المدير الطبي إن المستشفى يستقبل أكثر من 3000 مريض يوميًا.
وهذا يعني أن تقليص الخدمات لا ينعكس على عدد محدود من المرضى، وإنما يطال شريحة واسعة من السكان الذين يحتاجون بصورة مستمرة إلى الفحوصات والعلاج والمتابعة الطبية، فضلًا عن المصابين والجرحى والنساء الحوامل وأصحاب الأمراض المزمنة.
ويحذر الهمص من أن توقف الأقسام يمثل حرمانًا قاسيًا للمرضى والجرحى من الفحوصات والمتابعة الدورية والأشعة والعلاج، واصفًا ما يجري بأنه “قتل متعمد بحرمان المواطن من الخدمات الصحية المجانية الأساسية”.
الوقود ليس الأزمة الوحيدة
ولا تقف المشكلة عند نفاد الوقود، إذ تتزامن الأزمة مع توقف توريد الزيوت وقطع الغيار والفلاتر الخاصة بالمولدات، ما يضع المستشفى أمام مشكلة مزدوجة: عدم توفر الوقود من جهة، وعدم توفر مستلزمات تشغيل وصيانة المولدات من جهة أخرى.
وهذا يجعل استمرار الخدمة الطبية مرتبطًا بسلسلة إمداد كاملة، لا بمجرد وصول كميات من الوقود.
فحتى في حال توفر الوقود، فإن المولدات التي تعمل بصورة متواصلة منذ سنوات الحرب تحتاج إلى صيانة وقطع غيار وفلاتر وزيوت للحفاظ على قدرتها التشغيلية، فيما يؤدي نقص هذه المواد إلى زيادة مخاطر تعطلها، وبالتالي توقف الأجهزة والأقسام التي تعتمد عليها.
من علاج المرضى إلى إدارة النقص
المشهد داخل المستشفى يعكس بصورة أوسع طبيعة العمل الطبي في غزة خلال الحرب؛ إذ لم تعد المؤسسات الصحية تعمل وفق ما تحتاجه الحالة الطبية فقط، وإنما وفق ما تسمح به كمية الوقود المتوفرة، وقدرة المولدات على الاستمرار، وما يتوافر من أدوية ومستلزمات وقطع غيار.
وفي هذه الظروف، يصبح قرار تشغيل غرفة العمليات أو قسم الأشعة مرتبطًا بكمية الوقود المتاحة، بينما تتحول الأولوية من تقديم الخدمة الطبية المطلوبة إلى الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة على إنقاذ الأرواح.
ويعني توقف خدمات الإسعاف ونقل المرضى كذلك أن الوصول إلى المستشفى نفسه يصبح أكثر صعوبة أمام الحالات التي تحتاج إلى تحويل أو نقل طبي، في وقت يتطلب فيه الوضع الصحي في القطاع شبكة نقل وإسعاف قادرة على الاستجابة المستمرة.
نداء عاجل قبل اتساع دائرة الانهيار
أمام هذا الواقع، وجه الدكتور جمال الهمص نداءً عاجلًا إلى الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية والمنظمات الدولية، مطالبًا بالتدخل الفوري لتأمين الوقود والزيوت وقطع الغيار والأدوية والمستلزمات الطبية.
كما دعا المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل فتح المعابر وتأمين استمرار الخدمات الصحية الإنسانية.
ولا تبدو قضية مستشفى الكويت منفصلة عن أزمة أوسع تضرب القطاع الصحي في غزة، إذ حذرت جهات صحية خلال الأيام الماضية من أن نقص الوقود يهدد باستمرار عمل عدد من المرافق الصحية.
وبذلك، فإن ما يحدث في مستشفى الكويت يضع سؤالًا أكثر إلحاحًا أمام القطاع الصحي: إلى متى تستطيع المستشفيات مواصلة العمل إذا أصبح الوقود نفسه مادة نادرة؟
في مستشفى يخدم مئات الآلاف ويستقبل آلاف المرضى يوميًا، لا يعني نفاد الوقود توقف المولدات فحسب؛ بل يعني تقلص مساحة العلاج، وإغلاق غرف العمليات، وتعطيل التشخيص، وتقييد الولادة والعلاج، وتحويل المستشفى تدريجيًا من منشأة تقدم خدمات طبية متعددة إلى نقطة أخيرة لإنقاذ الحالات التي تصل في لحظاتها الحرجة.
وهكذا يصبح الوقود، في غزة، جزءًا من معادلة البقاء الطبي نفسها؛ فكل لتر ينفد لا يطفئ مولدًا فقط، بل يضيّق هامش قدرة المستشفى على إنقاذ مريض آخر.

